|
الحياة والموت والجهاز المناعي
يجعل الجهاز المناعي الحياة ممكنة من خلال
تحديد
الذات والدفاع عنها؛ ويؤدي الخلل في
وظيفته إلى المرض والموت.
وتقدم دراسة هذا الجهاز رؤية توحيدية
لفروع البيولوجيا.
<V.J.G. نوسّال>
بماذا يتشارك كل من <F. شوبرت >
(1) و <J.
كيتس> (2) و <E. باريت براونينگ>
(3)؟ لقد كان كل
منهم عبقريا خلاقا، ولكن حياة كل واحد منهم كانت قد اختُصِرت مأساويا بفعل أحد
الأمراض السارية التي يمكن اليوم الوقاية أو الشفاء منها. ومما لاشك فيه أن
النجاح الذي أحرزتْه معالجة كلٍّ من هذه الأمراض يندرج في قائمة أعظم إنجازات
العلم الحديث. لقد تم استئصال شأفة الجدري كليا؛ كما قد يغدو شلل الأطفال
(التهاب سنجابية النخاع) poliomyelitis والحصبة،
مع نهاية هذا القرن، مرضيْن عفا عليهما الزمن. وقد بلغ شوط التصدي للأمراض
الخمجية(4) (الإنتانية) شأوا جعل الأقطار الصناعية في العالم (حتى حين ظهور
جائحة الإيدز الحالية) تضع هذه الأمراض في مؤخرة اهتماماتها الوطنية الرئيسية.
إن مثل هذه الإنجازات المذهلة في الصحة العامة لتبرِّر وحدها ما يبذل من جهود
هائلة لفهم الجهاز المناعي البشري. ولكن مجال علم المناعة يتوخى ما هو أكثر من
مجرد الإلمام بطبيعة الأخماج والحيلولة دونها؛ إذ تستهدف بحوث المناعة اكتشاف
مداخل جديدة لمعالجة السرطان والأمراض التي تنجم عن سَقْطات الاستجابة المناعية
وأَخْلالها الوظيفية. وتقدم هذه البحوث كذلك إطارا علميا لفحص التنظيم
الكيميائي للأجهزة الحية ولمكاملة تلك المعلومات على نحو يحقق لنا فهم كيفية
عمل الكائن الحي (المتعضية الحية) organism
برمته.
إنني لأخجل قليلا أن أعترف بأنني لم أتعرف الأهمية الكامنة وراء علم المناعة
عاجلا. فعندما كنت طالب طب في الخمسينات من القرن الحالي غدوت مهتما
بالڤيروسات، وأمِلْت أن يتمكن تحليل نموها من كشف التفاصيل الأكثر عمقا لعملية
الحياة، كما طمحت للدراسة على يد السير <فرانك ماكفارلين بورنيت>، العالم
الأسترالي البارز في علم الڤيروسات بالمعهد إليزا هول للبحوث الطبية في ملبورن.
وبعد تخرُّجي وانقضاء تدريبي في المستشفيات (المشافي) سعدت بما فيه الكفاية
لقبول بورنيت إياي، ولكنه كتب قائلا بأنه غدا أقل اهتماما بالڤيروسات منه في
استكشاف الجهاز المناعي البشري، فجزعت لذلك جدا؛ إذ كنت أعتقد أن العمالقة
الأوائل ـ< لويس پاستور> و <پول إرليش> و<إميل ڤون بيهرنگ> ـ قد سبق لهم أن
اكتشفوا الحقائق الأساسية للمناعة، وأن مواضيع الصحة العامة التي هي التطبيق
الرئيسي لبحوث علم المناعة، بدت مملة أكثر من غيرها بين مواضيع الدراسة الطبية.
وبعدئذ عرفتُ كم كنتُ على خطأ في ذلك. فما إن بدأتُ بحث التخرج حتى أخذتْ تظهر
في الحال سلسلة من المكتشفات المتعلقة بالمناعة، وذلك في سياق فصل استثنائي في
تاريخ الطب الحيوي history of biomedicine. فقد
لاحظ الباحثون أن كريات الدم البيض التي تدعى اللِّمفاويات (البلغميات)
lymphocytes، والتي تبيد الميكروبات المُمْرِضة
الداخلة إلى الجسم، تستطيع مهاجمة الخلايا السرطانية وردعها ولو بشكل مؤقت على
الأقل. كما أظهرت تجارب أخرى أن تلك اللمفاويات نفسها تستطيع كذلك أن تتصرف
بأشكال غير مرغوب فيها. فعلى سبيل المثال، يمكن لها أن تعمل ضد الخلايا الغريبة
التي تدخل الجسم عن طريق الأعضاء المُغْتَرَسة
transplanted organs مسببة بذلك رفض الطُّعْم المغروس. وإذا انهار تنظيم
الجهاز المناعي فإنه يمكن للمفاويات أن تهاجم خلايا تنتمي للجسم نفسه في حين
أنه يتوجب عليها حمايتها، مما يؤدي إلى مرض مناعي ذاتي مميت.
لقد ركَّزت جميع هذه المكتشفات اهتمامها بواحد من أكثر الأسرار المركزية
والمحيرة في الجهاز المناعي، ألا وهو: الطريقة التي يمكن بها لهذا الجهاز أن
يتعرف ذلك العدد اللامتناهي فيما يبدو من الڤيروسات والبكتيريا (الجراثيم)
والعناصر الغريبة التي تهدد صحة الكائن الحي. ففي معظم التفاعلات الكيميائية
الحيوية (البيوكيميائية)، مثل ارتباط أحد الهرمونات بأحد المستقبلات أو التصاق
أحد الڤيروسات بعائله (ثويِّه) host، أدت مسيرة
التطور
الطويلة إلى تنقيح الكيمياء المعنية بحيث يتحقق لكل جزىء أن يتحد بشريكه على
نحو مضبوط ومسبق التحديد. أما الجهاز المناعي فإنه على النقيض من ذلك لا يستطيع
توقع نوع الجزىء الغريب الذي سيصادفه لاحقا.
يعد الضد (الجسم المضاد) antibody واحدا من
العناصر الحاسمة التي تساعد الجهاز المناعي على مواجهة ذلك التحدي. والضد هو
جزىء بروتيني كبير اكتشفه ڤون بيهرنگ و <Sh.كيتاساتو>
في عام 1890. وتتثبت الأضداد على الغزاة الدخلاء مثل البكتيريا والڤيروسات
فتحيّدها neutralize، كما أنها تطوق الميكروبات
بأسلوب يجعلها سائغة للخلايا القمَّامة (الكانسة)
scavenger cells مثل البلعميات (البلاعم)
macrophages. ولا يفعل كل نمط من الأضداد فعله
إلا في جزىء مستهدَف بالغ النوعية يعرف باسم المستضد
antigen. وهكذا، فإن الأضداد التي تهاجم عصيات مرض الجمرة
anthrax ليس لها تأثير ضد التيفوئيد (الحمّى
التيفية). وعلى مدى عشرات من السنين تصور البيولوجيون المستضد كنوع من
المِرْصاف template يقولب جزىء الضد نفسه حوله
متخذا شكلا متمما له. وهذه النظرية التي كان <F.هاوروڤيتس>أول
من أوضحها بجلاء في الثلاثينات ومن ثم ناصرها<L.پاولنگ>،
بقيت مسيطرة حتى نحو عام 1960.
وفي نحو منتصف الستينات من القرن الحالي وقع نموذج المرصاف هذا في مأزق؛ إذ
بينتُ مع <L.G.آدا> (من معهد هول) أن الخلايا
الصانعة للضد لا تحوي أي مستضد يصلح لأن يتشكل حوله ضد. وقد أظهرت دراسة
الإنزيمات أن بنية البروتين تعتمد فقط على التتالي
sequence الخاص لوحداته الفرعية (الجزئية) من الحموض الأمينية. وعلاوة
على ذلك، استنتج <F. كريك> أنه في المنظومات
البيولوجية تتدفق المعلومات من الدنا DNA إلى
الرنا RNA ثم إلى بروتين. ولهذا السبب لا تستطيع
بروتينات المستضد أن تحدد البروتينات الضدية antibody
proteins الجديدة: فالمعلومات اللازمة للبنى الضدية يجب أن تتكود
(تترمز) encoded في الجينات. وقد أثارت تلك
المكتشفات السؤال المحير التالي: إذا كانت الجينات تملي صناعة الأضداد، فكيف
يمكن أن يكون هناك جينات نوعية specific لكل واحد
من ملايين الأضداد المختلفة التي يستطيع الجسم أن يصنعها؟
لقد اهتدى <K.N.جيرن> (حين كان يعمل في معهد
كاليفورنيا للتقانة في عام 1955) إلى تفسير ممكن لذلك التنوع الذي لا يصدَّق في
الأضداد. فاقترح أن الاستجابة المناعية هي استجابة انتقائية (اصطفائية)
selective أكثر منها توجيهية (إرشادية)
instructive. أي إن للثدييات مقدرة موروثة على
اصطناع البلايين من الأضداد المختلفة، وأن وصول أحد المستضدات إنما يسرع فقط
تشكيل الضد الأنسب تطابقا.
وبعد ذلك بعامين افترض بورنيت و<W.D.تالماج> (من
جامعة كولورادو)، كل على حدة، أن الأضداد تتوضع على سطح اللمفاويات وأن كل
لمفاوية لا تحمل إلا نوعا واحدا من الأضداد. فعندما يدخل أحد المستضدات الغريبة
إلى الجسم سيصادف في نهاية المطاف لمفاوية تحمل مستقبلا
recoptor يشاكله، فيحرضه كيميائيا على الانقسام وعلى إنتاج المزيد من
كميات الضد ذي الصلة. وفي عام 1958 أثبتُّ مع <J.
ليدربيرگ> (أثناء زيارته معهد هول) أنه حينما يتم تمنيع
immunization حيوان ما بمستضديْن مختلفين، فإن كل واحدة من الخلايا
المعنية لا تصنع في الحقيقة إلا نوعا واحدا من الأضداد.
وبعدها سرعان ما اكتشف <G.إديلمان> (من جامعة
روكفلر) و <R.پورتر> (من جامعة أوكسفورد) أن
الأضداد تتألف من أربعة بروتينات صغيرة تدعى سلاسل
chains. ويملك كل ضد سلسلتين ثقيلتين متماثلتين وأخريين خفيفتين
متماثلتين أيضا. وتشكل كل من السلسلتين الخفيفتين والثقيلتين أثناء تشابكهما
الواحدة مع الأخرى موضعا فعالا active site يقدر
على تعرف أحد المستضدات، وبذلك يكون لكل جزيء ضدي موضعين متماثلين للتعرف. فإذا
عرفنا أن الموضع الرابط تسهم فيه سلسلتان، فإن ذلك يساعدنا على تفسير التنوع
الكبير للأضداد من جراء العدد الكبير من الاتحادات الزوجية الممكنة.
لقد أفْضت مجموعة تجارب أجراها <S.تانيگاوا> (من
معهد بازل لعلم المناعة) إلى وصفٍ محدَّدٍ للكيفية التي يستطيع بها جهاز
المناعة إنتاج ذلك العدد الكبير من أنواع الضد المختلفة. فقد وجد أنه خلافا لما
هي الحال عليه في جميع الجينات الأخرى بالجسم تقريبا، فإن الجينات التي تحتوي6
على كود (مرمِّز) code السلاسل الثقيلة لا تكون
مسبقة الوجود في البيضة الملقحة، بل يستقر الكود في أربع مجموعات من جينات
مصغَّرة mini-genes تقع منفصلة في أجزاء متباعدة
من النواة. ويتأتى تنوع الأضداد من كمية فصائل الجينات المصغرة: إذ يوجد ما
ينوف على مئة نوع من جينات V (المتغيرة)
V variable genes واثني عشر جين
D (التنوعية) D diversity
genes، وأربعة جينات J (الوصلية)
J joining genes.
أما الجينات C أو الثابتة constant، فإنها تختلف
في طرق تأثيرها في وظيفة الضد فقط وليس في إلفة affinity
الضد بالمستضد.
طريقة دفاع الجهاز المناعي عن الجسم
الدفاعات اللامركزية للمناعة
|
لما كانت العوامل الخامجة
infectious تستطيع الدخول إلى الجسم من أي نقطة فيه، فإن
أنسجة الجهاز اللمفي وأعضاءه، التي هي ينبوع الدفاع المناعي، تنتشر
مبعثرة بشكل واسع. فاللمفاويات المسؤولة عن المناعة النوعية تنشأ
في الأعضاء اللمفاوية الأولية: فالتوتة (الغدة السَّعْترية)
thymus تصنع الخلايا التائية ويصنع
نقي العظام الخلايا البائية. وبعد أن تغادر هذه الخلايا تلك
الأعضاء تجول في الدم إلى أن تصل أحد الأعضاء اللمفاوية الثانوية
العديدة، مثل العقد اللمفية والطحال ولوزتي الحلق، ومن ثم تغادر
مجرى الدم عبر أوعية دموية متخصصة تدعى الوُرَيْدات البطانية
العالية high
endothelial venules. ومع أن اللمفاويات تصبح هنا مكتنزة
نوعا ما (إذ يحوي الغرام من العقدة اللمفاوية بليونا منها) فإنها
تبقى قادرة على التحرك بحرية. وهكذا تُعَدّ العقد أمكنة ممتازة
لتنشيط اللمفاويات بفعل المستضدات والخلايا العارضة (المقدمة)
للمستضد التي تدخل عبر الأوعية اللمفية الواردة (الجابذة)
afferent. وعلى العموم، تتنشط
الخلايا التائية بفعل المستضد في جُنَيب (نظير) القشرة
paracortex، وتغدو الخلايا البائية
المُنَشَّطة خلايا پلزمية مولدة للضد في مناطق مثل المراكز
المُنْشِئة (المنتشة) التابعة للجُرَيْبات اللمفاوية. وتتدفق
اللمفاويات المنشَّطة إلى خارج العقد عبر الأوعية اللمفية الصادرة
(النابذة) efferent لترحل عبر السائل
الموجود في هذه الأوعية وصولا إلى الدورة الدموية ولتنشر تأثيرها
الوقائي في أرجاء الجسم. وأخيرا تدخل اللمفاويات عقدا لمفية أخرى
وتبدأ الدورة من جديد.
|
وفي أثناء تشكل إحدى الخلايا المكونة للضد، يقفز واحد من الجينات المصغرة من كل
من المجموعتين إلى خارج موقعه الأصلي ويرتبط بالجينات القافزة الأخرى من
المجموعة الثانية ليشكل جين V-D-J-C كاملا. وتسمح
إعادة الترتيب الجيني هذه بقيام (100X 12 X 4 X
1= 4800) نوع مختلف من السلاسل الثقيلة. وتحدث العملية نفسها في تجميع جينات
السلاسل الخفيفة، باستثناء أن هذه الأخيرة لا تحوي إلا قطع
segments V وJ وC،
بحيث يتكون لدينا منها نحو 400 تركيبة (تضامية) أساسية. ويسمح تنوع السلاسل
الثقيلة والخفيفة بوجود
(4800X400 = 1920 000) جين ضدي. وعلاوة على ذلك، تستطيع إنزيمات خاصة إدخال وحدات تكويد (ترميز)
إضافية قليلة وذلك في المَواصل (المفاصل) الواقعة بين القطعتين
V و D وبين
القطعتين D و J
عندما يجري ترابطهما، الأمر الذي يزيد من عدد التراكيب الضدية الممكنة.
وعلى الرغم من التعدد الهائل لبراعات الأضداد، فإنها لا تستطيع وحدها أن تؤمِّن
الحماية الكاملة من الغزو الخمجي (الإنتاني). فبعض الأمراض من أمثال السل
(التدرن) tuberculosis ينسل إلى داخل خلايا
العائل (الثوي) سريعا، بحيث يتمكن من التواري عن الجزيئات الضدية. وفي هذه
الحالات يأتي دور نوع ثان من الاستجابة المناعية. فعندما تلتهب
inflamed الخلايا المخموجة تقوم اللمفاويات
بمهاجمتها كيما تحاصر الخمج infection. وتعرف هذه
الآلية الدفاعية باسم المناعة ذات التوسط الخلوي (خلوية الوساطة)
cell-mediated immunity،
في مقابل ما يعرف باسم المناعة الخِلْطية humoral
immunity التي تتوسطها الأضداد.
وفي أوائل الستينات من القرن الحالي أقر <J.ميلّر>
الذي كان يومذاك في معهد البحوث Chester Beatty
بلندن و< N .وارنر>و <A.زنبرگ>
(من معهد هول) بأن اللمفاويات تندرج في صنفين (صفين) مختلفين يتحكم كل واحد
منهما في واحد من نَوْعي الاستجابة
المناعية. فالمناعة ذات التوسط الخلوي تتضمن نوعا من اللمفاويات ينشأ في التوتة
thymus ويسمى الخلية التائية
T Cell. أما المناعة الخلطية فإنها تحدث من خلال
فعل الأضداد التي تنتجها اللمفاويات المعروفة باسم الخلايا البائية
B Cells والتي
تتكون في نقي العظام bone marrow.
وتختلف الخلايا التائية عن الخلايا البائية ليس في الوظيفة فحسب بل وكذلك في
طريقة ملاقاة المُغير الغريب. وحسبما يفترض كل من تالماج وبورنيت فإن الخلايا
البائية تستطيع تعرُّف المستضدات لكونها تحمل أضدادا على سطحها. كما أن كل خلية
تائية تمتلك مستقبلا receptor وحيدا، ولكنها
خلافا للخلايا البائية لا تستطيع «رؤية» المستضد بأكمله. وبدلا من ذلك، فإن
المستقبلات الموجودة على الخلايا التائية تتعرف القطع البروتينية للمستضدات، أو
الپپتيدات peptides المؤلفة من تتاليات خطية ذات
8 إلى 15 حمضا أمينيا. وتتعرف الخلايا التائية تتاليات الپپتيد الغريب الموجودة
على سطوح خلايا الجسم، بما في ذلك الشقف bits
الڤيروسية أو الجزيئات الطافرة في الخلايا السرطانية أو حتى قطع الأجزاء
الداخلية لأحد الميكروبات. ويعمل جزيء يُعرف باسم بروتين معقد التوافق النسيجي
الكبير Major Histocompatibility Complex Protein
MHC على جلب الپپتيد إلى سطح الخلية حيث تستطيع
الخلية التائية الارتباط به.
تشكل الخلايا التائية مع الأضداد شراكة تامة. فالأضداد تستجيب بسرعة لجزيئات
الذيفان (السم) وللسطوح الخارجية للميكروبات، في حين تكتشف الخلايا التائية
مستضدات العوامل المُمْرضة pathogens الداخلية
المختبئة التي تجعلها، بدورها فعالة بشكل خاص في تعقب العوامل الخمجية. فمثلا،
قد يستطيع أحد الڤيروسات من خلال التطفر mutation
أن يغيِّر غلافه الخارجي بسرعة وبذلك يحبط تحييده (تعديله) من قبل الأضداد.
ويمكن لهذا الڤيروس نفسه أن يحتوي بداخل لبه على بضعة بروتينات تعد أساسية
لحياته ولا يسمح لها بالتطفر. وعندما يتنسخ (يتضاعف)
replicate ذلك الڤيروس داخل الخلايا تفر سلاسل پپتيدية قصيرة من تلك
البروتينات الڤيروسية وتذهب إلى سطح الخلية. وهنا تفيد تلك السلاسل كأهداف
ملائمة للخلية التائية التي تستطيع، بدورها، أن تهاجم الخلية المخموجة وتكبح
انتشار الڤيروس.
إلى هذا الحد أكون قد وصفت الخلايا التائية والخلايا البائية وكأنها تعمل بشكل
مستقل عن بعضها. ولكن الحقيقة تكمن في أن هذين النوعين من الخلايا يشكلان
منظومة (جملة) محبوكة بإحكام. فالخلايا التائية تقيم اتصالا وثيقا مع الخلايا
البائية وتستحث فيها حالة فعالة بحيث تفرز اللمفوكينات
lymphokines التي هي جزيئات تشجع تكوين الضد. وكذلك تستطيع الخلايا
التائية كبت تكوين الضد عن طريق إطلاقها لمفوكينات تثبيطية.
أما الخلايا البائية فإنها تهيئ بدورها المستضدات على نحو يجعل هذه الأخيرة
سهلة الاستجابة للخلايا التائية، إذ تربط المستضدات بجزيئات معقد التوافق
النسيجي الكبير MHC وتعرضها (تظهرها) على سطح
الخلية. وبهذه الطريقة تساعد الخلايا البائية على بعث الحالة الفعالة في
الخلايا التائية. وقد لاحظ الباحثون أن الخلايا البائية تستطيع أيضا أن تثبط
استجابات الخلية التائية في الشروط التجريبية. وتعد مثل هذه العرى
loops العالية التنظيم للتلقيم الراجع (التغذية
المرتدة) الإيجابي والسلبي، علامة مميزة لبنيان الجهاز المناعي.
هذا ولا ينتهي تخصص الجهاز المناعي عند حدود انقسامه إلى خلايا بائية وخلايا
تائية. فالخلايا التائية نفسها تضم فئتين فرعيتين هما: الخلايا التائية
المساعدة CD4 helper والخلايا التائية القاتلة
CD8 killer. أما الخلايا CD4، فإنها تتعرف
الپپتيدات من البروتينات التي سبق أن تناولتها البلعميات
macrophages والخلايا المتخصصة الأخرى في الاستيلاء على المستضدات. أما
الخلايا CD8، فإنها ترتكس
react لعينات الپپتيدات الناشئة داخل الخلية نفسها، مثل قطعة من ڤيروس
في خلية مخموجة أو بروتينات طافرة في خلية سرطانية. وكل نوع من أنواع الخلايا
التائية يستخدم الشكل الذي يخصه من المعقد MHC
لجعل الپپتيدات قابلة للملاحظة.
وعندما تصادف الخلايا التائية CD4 الإشارة
الكيميائية المناسبة، تقوم بإنتاج كميات كبيرة من اللمفوكينات من أجل تسريع
انقسام خلايا تائية أخرى بغية تعزيز الالتهاب. وتتخصص بعض الخلايا
CD4 في مساعدة الخلايا البائية في حين يساعد
البعض الآخر في إحداث الالتهاب. أما الخلايا CD8
المنشَّطة، فإنها تنتج كميات من اللمفوكينات تقل كثيرا عن سابقتها، ولكنها
تكتسب القدرة على فتح ثقوب في الخلايا المستهدفة وعلى إفراز كيماويات تقتل
الخلايا المخموجة، وبذلك تحد من انتشار الڤيروس، وبفضل تأثيرها القاتل فإن
الخلايا التائية CD8 توصف كذلك بأنها تائيات
مسمِّمة للخلايا cytotoxic T cells.
ينتاب الخلايا البائية تحول مذهل جدا حالما يتم تنشيطها. فقبل أن تلاقي المستضد
تكون الخلية البائية مزودة بنواة متماسكة مع كمية قليلة جدا من السيتوپلازم (الهيولى)
cytoplasm، (وينطبق عليها في هذه المرحلة قول
القائل: أكل ومرعى وقلة صنعة). ولكن ما إن تنبري إلى العمل حتى ينتابها انقسام
متكرر وتؤسس آلافا من نقاط التجميع داخل سيتوپلازماها من أجل صناعة الأضداد.
كما تؤسس جملة من القنوات الغزيرة من أجل رَزْم packaging الأضداد وتصديرها.
فالخلية البائية الواحدة يمكنها أن تقذف أكثر من عشرة ملايين جزيء ضدي في
الساعة.

بالاشتراك مع العاملين معي، قمت بعمل روتيني نزرع فيه خلية بائية منفردة من أجل
إنماء «نسيلة» clone تضم مئات الخلايا الوليدة. وبعد أسبوع واحد تستطيع هذه
النسائل أن تولد مئة بليون جزيء ضدي متماثل جاهز للدراسة. وقد مكنتنا مثل هذه
المزارع (المستنبتات) النسيلية clonal cultures من أن نشهد موهبة أخرى من مواهب
الخلايا البائية الرائعة. ذلك أن الخلايا البائية تستطيع أن تتحول من صناعة نمط
متماثل واحد، أو تشكيلة وظيفية من الأضداد، إلى صناعة ضد آخر غيره من دون تغيير
المستضد الذي يرتبط به الضد. فكل نمط متماثل (إسويّ) isotype لأحد الأضداد يشتق
من شكل مختلف من الجين المصغَّر C.
ولكل نمط متماثل ضدي ميزة فريدة خاصة به. فهناك نمط متماثل يخدم كخط دفاع أول،
في حين يتخصص نمط متماثل آخر غيره في تحييد (تعديل) الذيفان
toxins، ويفيض نمط ثالث بالمخاط، فيساعد في صنع
حاجز يواجه العوامل الخمجية التي تحاول الدخول عن طريق الأنف والحلق والأمعاء.
وفي ردها على اللمفوكينات الصادرة عن الخلايا التائية، يمكن للخلايا البائية أن
تتحول من نمط ضدي متماثل إلى نمط آخر خلال يوم أو نحو ذلك.
هذا وتتلقى كل من اللمفاويات البائية والتائية مساعدة من خلال جزيئات أخرى
مختلفة. فعندما تعلق الأضداد بواحدة من البكتيريا، فإنها تستطيع تنشيط المتممة
complement التي هي صنف من الإنزيمات يقتل
البكتيريا عن طريق إتلاف أغشيتها الخارجية. ويبعث بعض اللمفوكينات نداء
كيميائيا إلى البلعميات والمحبَّبات granulocytes
والكريات الدموية البيض الأخرى التي تزيل (تكنس) الأوساخ في الموضع المخموج عن
طريق ابتلاع البكتيريا والخلايا الميتة. وتُعَدّ مثل هذه النظافة أمرا بالغ
الأهمية، إذ إن المريض الذي يخلو من المحببات يواجه خطر موت جديٍّا من قبل
البكتيريا الخمجية التي تتغذى بالأشلاء الخلوية. ومن الواضح أن جميع الكريات
الدموية البيض تعمل معا كفريق في غاية الانسجام.
ومع كل الإجراءات المعقدة للدفاعات المناعية يكون من المهم قطعيا أن تبقى
اللمفاويات على الدوام حميدة السلوك تجاه خلايا الجسم الذي تنتمي إليه والذي
يشار إليه عادة بالذّات self، في حين ترتكس بشكل
عدوانيٍّ تجاه الخلايا التي تتعرّفها غريبةً عنه، أو ما يعرف باسم الغير
(اللاّذات) nonself. وقد افترض بورنيت أنّ
تعرُّفَ الذات لا يتحدد جينيًّا، بل بالأحرى يتعلمها الجهاز المناعي في أثناء
المرحلة الجنينية للكائن الحي (للمتعضية الحية). فقد اقتَرَح أن المستضد الغريب
الذي يدخل الجنين قبل تشكُّل جهازه المناعي سيخدع اللمفاويات في أن تعتبر
الجزيء الغريب عنصرًا من الذات. ولكن محاولات بورنيت لإثبات نظريته عن طريق حقن
لقاح الإنفلونزا (النزلة الوافدة) داخل أجنة الدجاج لم تُعطِ الاستجابة
الباطلةَ null response المتوقعة.
وفي عام 1953 حقق كل من <R.بيلينگهام> و<L.برينت>
والسير <P.ميداوار> (أثناء عملهم في جامعة لندن)
نجاحا فيما أخفق به بورنيت. فقد كان ثلاثتهم يبحثون عن طرقٍ لاغتراس
transplant الجلد نَقْلا من فرد إلى فرد آخر من
أجل معالجة أحد ضحايا الحرق مثلا. وكان ميداوار قد اكتشف سابقا أن الجسم يرفض
مثل هذه الطعوم grafts الجلدية بسبب الاستجابة
المناعية. فعندما اطلع على كتابات بورنيت النظرية شرع مع زملائه بحقن أجنةِ
فئران مستولدة استيلادًا داخليًّا inbred بخلايا
مأخوذةٍ من طحال سلالةٍ أخرى مختلفة من الفئران. وهنا ماتت بعض الأجنة نتيجة
هذا الأذى، ولكن الأجنة التي بقيت على قيد الحياة واستمرت حتى الكهولة،
تقبَّلتْ الطعومَ الجلدية من السلالة المُعْطِية (المانحة)
donor. وإن بقعة من الفراء الأسود تنمو على الفأر
الأبيض عرضت بشكل مثير اكتشاف حالة تحمُّل مناعي مكتسب فعال. فلأول مرة تم
تضليل اللمفاويات في تعرفها الذات من الغير (اللاذات). وقد تقاسم كل من بورنيت
وميداوار جائزة نوبل عن أعمالهما في هذا المجال.
لقد أوضحت البحوث اللاحقة سبب الإخفاق الذي آلت إليه تجارب بورنيت، إذ استخدم
فريق ميداوار خلايا حية كمصدر للمستضد (وبالأخص خلايا تستطيع التحرك إلى مواقع
حدّية مثل التوتة ونقي العظام). وطالما بقيت هذه الخلايا المُعْطِيَة حية،
استمرت في صنع المستضدات التي استثارت اللمفاويات الناشئة. أما لقاح الإنفلونزا
الذي استخدمه بورنيت فإنه بالمقابل قد استُهلِك بسرعة وأَعْطَبَتْه الخلايا
القمَّامة، فلم يصل إلى الجهاز المناعي من المستضد ما يكفي لتحريض درجة من
التحمُّل ذات شأن.
هذا وإنّ التحقُّق من كَوْن الاستجابة المناعية تعتمد بشدة على التنوُّع الكبير
للأضداد الموجودة على الخلايا البائية ذات العدد الهائل في الجسم، قد أوحى
بالآلية التي تتعلم بوساطتها اللمفاويات تَجاهُل خلايا الذات. فالتفاعل المناعي
يُمثِّل تنشيطَ لمفاوياتٍ نوعيةً (معيَّنةً) يتمُّ انتقاؤها من تشكيلة العَرْض
المتنوعة في الجسم. وبدا من المنطقي أنه يمكن النظر إلى تحمُّل الذات
tolerance of self كصورةٍ مرآتيةٍ للمناعة: إنه
مَحْوٌ مُنَظَّمٌ لتلك الخلايا التي تستجيب لمستضد الذات
self-antigen.
قد تتسبَّب التأثيراتُ الجينيةُ والمثيرات البيئية بتعطيل القواعد المناعية
المعتادة. وفي تلك الحالات قد تستجيب الخلايا البائية أو الخلايا التائية أو
كلتاهما لمستضدات الذات فتهاجم خلايا الجسمِ نفسِه الذي تنتمي إليه، وتؤدي إلى
مرضٍ مناعيٍّ ذاتيٍّ مدمِّر. وتنجم بعض مثل هذه الاضطرابات عن أضدادٍ أُسيء
توجيهُها: ففي فقر الدم الانحلالي hemolytic anemia
تهاجم الأضداد كريات الدم الحمر، وفي مرض الوَهن العضلي الوبيل
myasthenia gravis تَنْقَضُّ الأضدادُ على
البروتين الحيوي في الخلايا العضلية الذي يستقبل الإشارات من الأعصاب. هذا
وتؤدي الخلايا التائية دور الوصيف في أمراضٍ مناعيةٍ ذاتيةٍ أخرى: ففي مرض
السكري المعتمد (المنوط) على الأنسولين تُخَرِّب اللمفاويات التائية الخلايا
المولِّدةَ للأنسولين في البنكرياس، وفي مرض التصلب المتعدد
multiple sclerosis تُوَجِّه اللمفاويات التائية
ضراوتها fury ضد الطبقة العازلة التي تطوِّق
الألياف العصبية في الدماغ والنخاع الشوكي.
تُحَتِّم أمراضُ المناعة الذاتية ضرورةَ إلغاء الجهاز المناعي أو تقييده على
الأقل. وتستطيع العقاقير الكابتة للمناعة والمضادة للالتهاب أن تحقق التأثير
المطلوب، ولكن مثل هذا الأسلوب الكثير الأخطاء لا يكبت الاستجابة السيئة
المضادة للذات فقط، بل يكبت كذلك التفاعلات المناعية المرغوب فيها. ولحسن الحظ
يحرز الباحثون الآن بعض التقدم في اتجاه الهدف المثالي لإعادة تأسيس التحمل
المناعي النوعي لمستضد الذات المُحاصَر.
ويتضمن أحدُ أنواع المعالجة تغذيةَ المريض بكميات كبيرة من مستضد الذات المعتدى
عليه، ومن المدهش تمامًا أن مثل هذا الأسلوب يستطيع تقييد (كبح) الاستجابات
المتوقعة تجاه ذلك المستضد بشكل انتقائي. وقد حقق الباحثون نتائج مشابهة عن
طريق إعطاء المستضدات داخل الوريد في حين يجري تضليل الخلايا التائية بشكل
مؤقتٍ بوساطة الأضدادِ الوحيدةِ النَّسيلةِ التي تَحْصُر (تسدّ)
block مستقبلاتها المستضدية. وقد وصلت بعض
معالجات الأمراض المناعية الذاتية المعتمدة على هذه الأساليب إلى مرحلة التجارب
السريرية.
وكذلك يتطلَّب اغتراسُ الأعضاء الناجح إيقافَ مَظهَرٍ غيرِ مرغوب فيه في
الاستجابة المناعية. فمن حيث المبدأ، يستطيع الجراح أن يشرع في إعطاء العقاقير
الكابتة للمناعة في أثناء العملية الجراحية مُستبِقًا الهجوم اللمفاوي. ويستثير
معظم اغتراسات الأعضاء استجابةً خلوية قوية كهذه، بحيث إن جرعات العقاقير
اللازمة لمنع رفض العضو تكون أكبر حتى من الجرعات المستخدمة لمعالجة الأمراض
المناعية الذاتية. ولحسن الحظ فإنه يمكن تقليل تلك الجرعات بعد أشهر قليلة.
وهناك عقاقير كابتة للمناعة أحدث وأشد قوة وتؤدي معدلات نجاحٍ جيدة في اغتراس
الكِلْية والقلب والكبد ونقي العظام ومجموعة القلب والرئة وكذلك البنكرياس.
وتمّ مؤخرا أخذ غرسات قليلة من المِعَى الدقيقة. والآن يسعى الباحثون حثيثا
لتطوير عقاقير هادفة تُضْعِفُ استجابةَ رَفْضِ الأعضاء في الوقت نفسه الذي تسمح
فيه للجسم بالارتكاس والرد على الأمراض الخمجية.
لقد غدا الاغتراس ناجحا إلى الحد الذي جعل الأطباء
يواجهون نقصا في تأمين حاجتهم من الأعضاء المأخوذة حديثًا من المانحين المصابين
بالمرض. لذا أخذ الباحثون يجدِّدون جهودَهم لإنجاز ما يسمى الاغتراس الغريب
xeno - transplantation
الذي يعني اغتراس أعضاء مأخوذة من الحيوانات. ويمكن زراعة أنسجة من الغدد
الصماء بحيث تفقد بعض قوتها المستضدية، فتزيد من إمكانية التوصل في يوم ما إلى
إدخال طُعْمٍ من الخلايا المفرزة للأنسولين في جسم المصابين بالداء السكري. وقد
تستطيع المعالجات الكيميائية «أَنْسَنَةَ» humanization
جزيئاتٍ حاسمةٍ في أعضاء الحيوان بحيث تلطف من ضراوتها في الرفض المناعي. وعلى
الرغم من ذلك، يواجه الاغتراس الغريب عقباتٍ فنية وأخلاقية هائلة.
وليس بالضرورة أن تكون الهجماتُ المناعية على أنسجة
الجسم مُرْعِبَةً، فقد تكون في الواقع مفيدة إذا ما أمكن توجيهها ضد السرطانات.
وفي الحقيقة، فإن نظرية الإشراف المناعي immune
surveillance theory، التي كان <L.ثوماس>
أول من بَيَّنَها يوم كان في جامعة نيويورك، ترى أن استئصال الخلايا قبل
السرطانية precancerous يُعَدُّ واحدًا من
الواجبات الرئيسة للمفاويات الجوابة الراصدة باستمرار.
إن الناس الذين كُبتت أجهزتهم المناعية باستخدام
العقاقير (والذين هم المستقبلون لغرائس الأعضاء على الأغلب) يكونون أكثر إصابة
باللوكيميا (ابيضاض الدم) واللِّمفوما (الورم اللمفاوي) وسرطانات الجلد من
الأفراد المشابهين لهم في المجموع السكاني العام. وقد وجد الأطباء بعد ثلاثة
عقود من مراقبتهم مَرْضى غرائس الكلية أن أولئك الأفراد يصبحون إلى حد ما أكثر
استعدادا لعدة سرطانات شائعة مثل سرطانات الرئة والثدي والقولون والرحم
والپُرُسْتاة (الموثة). وتنوِّه هذه الاكتشافات إلى أن الإشراف المناعي يمكن أن
ينبري لمراقبة بعض السرطانات على الأقل. وبالمقابل، فإن السرطانات المرتبطة
بالعقاقير قد تكون نتيجة لآليةٍ ما غير الكَبْت المناعي.
هذا ويأتي المزيد من الأدلة على دور الجهاز المناعي
في الحيلولة دون السرطان من دراسات على سرطاناتِ الفأر التي يتم إحداثها بفعل
ڤيروسات أو مواد مُسَرطِنة كيميائية. وتثير تلك السرطانات استجابات مناعية قوية
حينما يتم اغتراسها في الفئران المتماثلة جينيا والتي يثبت فيها أن الخلايا
السرطانية تحمل مستضدات تَسِمُها بأنها شاذة abnormal.
أما السرطانات الناشئة تلقائيا في الفئران والتي تكون أكثر شبها بسرطان الإنسان،
فإنها لا تثير إلا القليل من الاستجابة المناعية أو لا تثير شيئا منها.
ومع ذلك، فحتى السرطانات التلقائية يمكن أن تحمل بعض
المستضدات النوعية الورمية التي يمكن أن تبعث ارتكاسا للجهاز المناعي في حال
وجود إشارات كيميائية أخرى. ويعتبر الجزيء المسمى (B7)
مثيرا بالغ القوة في هذا الصدد. فعندما يتم إدخاله في خلايا أحد الأورام،
يستطيع هذا الجزيء (B7) أن يحول الخلايا
السرطانية المُهلِكة والمتعذر التحكم فيها إلى خلايا تهاجمها التائيات
T cells وتبيدها. ونذكر هنا أن الجزيء (B7)
ليس بحد ذاته مستضدًا ولكنه يساعد بوضوح الجزيئات المستضدية في الخلية الورمية
على تنشيط (تفعيل) التائيات.
لقد جدَّد اكتشاف الجزيئات المحفِّزة للمناعة (مثل
B7) الاهتمام بإمكانية إيجاد لقاحات مضادة
للسرطان. ومثل هذه المعالجات يمكن أن تكون مجديةً ضد الورم القتامي
melanoma الخبيث الذي هو سرطان ينشأ عن الجزيئات
المصبوغة. وتحتوي هذه السرطانات على فصيلة من البروتينات يطلق على مجموعها اسم
ماج MAGE. وقد قام <Th.
بون> (في معهد لودفيك لبحوث السرطان في بروكسل) بدراسة واسعة على هذه
البروتينات. ففي التجارب المختبرية يستطيع پپتيد مشتق من الماج (MAGE)
أن يثير هجوما قويا لدى التائيات المُسمِّمة للخلايا. وإذا استطاع الباحثون أن
يعرفوا كيف ينابلون manipulate هذا المستضد بشكل
ناجح - ربما عن طريق حقن مريض ما بالماج (أو الپپتيدات المكونة لها) جنبا إلى
جنب مع جزيئات مصمَّمة لتقوية المناعة - فإنهم قد يصبحون قادرين على إيجاد علاج
فعّال للورم القتامي.
أما الطريقة الأخرى الممكنة لمحاربة السرطانات
فتتضمن تشجيع الاستجابة المناعية لأشكال شاذة لصنف من البروتينات يسمى
المخاطينات mucins. فالمخاطينات العادية تتألف من
لب بروتيني يكاد أن يكون مغطى تماما بقشرة من الجزيئات السكرية. ويحتوي على
العديد من الخلايا السرطانية (لاسيما تلك المصاحبة لأورام الأنبوب الهضمي
والرئة والمبيض) على أنواع متغيرة من المخاط يكون اللب فيها مكشوفا. وقد حدد
الباحثون پپتيدات من بروتينات اللب في المخاط تستجيب لها التائيات بقوة. وقد
تستطيع لقاحات مؤلَّفة من تلك الپپتيدات أن تُحرِّض التائيات المسممة للخلايا
على مهاجمة بروتينات اللب المكشوفة وبذلك تقتل الخلايا السرطانية.
يبدي ابتكارُ لقاحاتٍ للسرطان تحديا صعبا. فالخلايا
الورمية ذات قدرة كبيرة على التطفر mutate، الأمر
الذي يسمح لها أن تتفادى الإبادة عن طريق طرح أو تبديل مستضداتها المميزة. ولن
يكون من السهل قتل كل خلية ورمية منفردة في الحالات السرطانية المتقدمة، وهو ما
يجب عمله لمعالجة السرطان. ولكن مع ذلك، فقد أظهرت اللقاحات التجريبية إشارات
واعدة. ففي تجارب على مرضى مصابين بعدة أشكال من السرطانات الشائعة (مثل الورم
القتامي وسرطان الكلية وبعض أشكال اللوكيميا) حدث تراجع مثير للأورام لدى ما
يقرب من خُمْس هؤلاء المرضى بنتيجة الاستجابة لهذه اللقاحات. ولكننا لا نعرف
لماذا استجاب هؤلاء الاشخاص ولم يستجب الآخرون.
يعتقد كثير من الباحثين أن لقاحات السرطان ستغدو بحد
ذاتها أسلحة ضد الخلايا الطافرة القليلة التي تكمن في الجسم بعد جراحة السرطان
أو المعالجة الكيميائية أو المعالجة الشعاعية. فهذه الخلايا الباقية على قيد
الحياة يمكن أن تسبب عودة السرطان حتى بعد المعالجة الأولية الناجحة ظاهريا.
ومن حيث المبدأ، فإن قتل الملايين القليلة من الخلايا السرطانية التي تبقى بعد
المعالجة الأولية يجب أن تكون أسهل من استئصال مئات البلايين التي كانت موجودة
قبل المعالجة.
وعلى الرغم من بشائر النجاح لمثل هذه التقنيات
المبتكرة، تبقى اللقاحات الجديدة والمحسَّنة ضد الأمراض الخمجية تشكل الاهتمام
الملح والفوري المطلوب من البحوث المناعية. وفي حلبة الصراع هذه برز البرنامج
الموسَّع للتمنيع Expanded Program on Immunization EPI
التابع لمنظمة الصحة العالمية كإنجاز مشهود له على مسرح الصحة العامة الدولية
الذي يعاني المتاعب. فبالاعتماد على المعونة الرائعة لليونيسيف (UNICEF)
والبنك الدولي ونادي الروتاري العالمي والسلطات الصحية في البلدان النامية يقدم
هذا البرنامج (EPI) الوقاية اللازمة من ستة أمراض
رئيسية (هي الدفتريا والسعال الديكي والتيتانوس وشلل الأطفال والحصبة والسل)
لما ينوف على 80 في المئة من الأطفال الذين يزيد عددهم على مئة مليون طفل
يولدون سنويا في العالم الثالث.
وفي العام 1992، أضاف البرنامج (EPI) إلى قائمته
لقاحات التهاب الكبد B، وإن كانت اعتبارات الكلفة
قد حَدَّتْ من عدد الجُرْعات المتاحة. ففي عدة أقطار آسيوية وإفريقية غدا 5إلى
10 في المئة من السكان حَمَلَة مُزْمِنين chronic
carriers لڤيروس التهاب الكبد
B. ونشير هنا إلى أن نسبة كبيرة من هؤلاء تعاني
مرضا كبديا شديدا، وسرطان الكبد في النهاية. أما الطفل الذي يتلقى اللقاح حين
الولادة، فإنه لا يصبح من حملة الڤيروس ويتزود بالوقاية منه. ويستحق التلقيح
الجماعي ضد التهاب الكبد B كل الاهتمام حتى في
الدول الغربية، لا بسبب الخطر الذي يواجهه الرجال الجنوسيون (اللواطيون) فحسب،
بل كذلك بسبب كون كثير من هذه الأقطار يضم اليوم أعدادا كبيرة من ذوي الأصول
الآسيوية أو الإفريقية.
تعتبر مجريات الأمور على هذا النحو مشجعة، وإن كان
هناك القدر الكبير مما يجب عمله في حقل التمنيع. فمازالت اللقاحات الناجعة ضد
عدة أشكال من التهاب السحايا غير واسعة الاستخدام. كما لاتزال اللقاحات المتاحة
ضد التيفوئيد والكوليرا والسل والإنفلونزا جزئية الجدوى. وهناك العديد من
الأمراض الشائعة لا يوجد لها لقاح متاح بشكل عام، مثل ذات الرئة والإسهال
والملاريا والسرطانات التي يسببها ڤيروس الورم الحليمي
papillomavirus وڤيروس الحمى الغدية glandular.
وعلاوة على ذلك، تواجه الأقطار الغنية والفقيرة على حد سواء مشكلات عملية في
إرسال اللقاح إلى من يحتاج إليه وفي التأكد من استخدامه. هذا وإن منظمة الصحة
العالمية في أمس الحاجة إلى أموال إضافية لدعم زخمها الرائع في البحوث والتعبئة.
يشكل ابتكار لقاح ضد الإيدز إحدى أكثر الواجبات
المهمة إلحاحًا بين تلك التي تواجه الباحثين في علم المناعة. فهناك في العالم
اليوم ما لا يقل عن عشرة ملايين مصاب بڤيروس عوز المناعة البشري
human immunodeficiency
virus HIV الذي يسبب مرض الإيدز، ويعيش أكثر هؤلاء الناس في الأقطار
النامية. ويبدي هذا الڤيروس قدرة مذهلة على التطفر كما يستطيع التواري عن جهاز
المناعة مختبئا داخل اللمفاويات والخلايا القمَّامة. ومع ذلك فهناك بعض
الإشارات المشجعة بإمكانية التغلب على ذلك الڤيروس. فهذا الأخير غالبا ما يقبع
هاجعا داخل البشر سنوات طوالا، الأمر الذي يوحي بأن عمليات المناعة تضع هذا
الڤيروس تحت سيطرتها لفترات طويلة. وتستطيع الأضداد أن تحيّد ڤيروس عوز المناعة
البشري (HIV) مثلما تستطيع التائيات المسمِّمة
للخلايا قتل بعض الخلايا الحاملة للڤيروس على الأقل. ولئن كانت اللقاحات قد
منعت الأخماج الشبيهة بالإيدز لدى النسانيس، فإن الأمر سيتطلب بضع سنوات لتقرير
ما إذا كانت أي من التجارب السريرية الحالية على البشر تحمل بشائر نجاح حقيقي
في هذا الصدد.
وهكذا عززت أزمة الإيدز الإلمام الشعبي بعلم المناعة
إلى درجة أنني حينما أَحْضُر مناسبات اجتماعية أو أرتاد مواقع عمل، ويكتشف
الناس أنني مختص بعلم المناعة، فإنهم يخاطبونني بقولهم: «آه، لابد أنك تعمل في
مجال الإيدز» وكثيرا ما يتملكهم الاستغراب أن يسمعوا أن علم المناعة هو علم
واسع يسبق في تاريخه معرفتَنا بالإيدز بعدة عشرات من السنين.
وفوق ذلك، فإن الطبيعة العلائقية (متعددة التخصصات)
interdisciplinary لعلم المناعة ذات تأثير مفيد
ومهم على جميع العلوم البيولوجية حسب ظني. فعندما كنت شابا كان العديد من
الباحثين يخشون أنه بازدهار التخصصات وفروعها سيكتشف العلماء أكثر فأكثر عما هو
أقل فأقل، بحيث تتشظى مشاريع البحوث إلى أجزاء يكون كل منها متألقا مشرقا بحد
ذاته ولكنه قليل الصلة بالأجزاء الأخرى.
وهنا ظهرت بيولوجيا متكاملة جديدة نوعا ما، ترتكز
على البيولوجيا الجزيئية وكيمياء البروتينات والبيولوجيا الخلوية، وتشمل ميادين
مثل البيولوجيا العصبية وبيولوجيا التشكل والنمو وعلم الغدد الصم وبحوث السرطان
والفزيولوجيا القلبية الوعائية. فإذا ظهرت نتيجة أساسية في أحد هذه الفروع
العلمية انتشرت كالنار في الهشيم صوب الفروع الأخرى.
أما علم المناعة فإنه يتربع في مركز الحدث؛ إذ إن
خلايا الجهاز المناعي تؤلف أدوات مثالية للبحوث البيولوجية، فهي تنمو سريعا في
أنبوب الاختبار وتعرض تشكيلة غنية التنوع من المستقبلات الكيميائية وجزيئات
الصناعة ذات النوعية المتخصصة والقوة الكبيرة. وتبعا لذلك، فلربما كانت
اللمفاويات أحسن ما فهمناه عن الخلايا الحية. وعلاوة على ذلك فإن علم المناعة
يشمل عدة منظومات خلوية وجزيئية ذات صلات متبادلة فيما بينها ويدرس كيفية تأثير
هذه المنظومات في الكائن الحي بمجموعته. ونتيجة لذلك، فقد غدا جهاز المناعة
نموذج إيضاح للعملية الحياتية. صحيح أنه تم الكشف عن قدر كاف من الخطة
الإجرائية لهذا الجهاز بحيث يؤمن نقطة انطلاق ثابتة للبحوث المستقبلية إلا أنه
مازال هناك الكثير مما هو خافٍ يتحدى المُستكشِف الجَسور.
المؤلف
Sir Gustav J.V. Nossal
A HISTORY OF IMMUNOLOGY. Arthur M. Sffverstein.
Academic Press, 1989.
IMMUNOLOGIC TOLERANCE: COLLABORATION BETWEEN
ANTIGEN AND LYMPHOKINES. G. J. V. Nossal in Science, Vol. 245, pages 147-153;
July 14, 1989.
ESSENTIAL IMMUNOLOGY. Seventh edition. I. M. Roitt.
Blackwell Scientific Publications, 1991.
THE AUTOIMMUNE DISEASES. Noel R. Rose and Ian R.
Mackay. Academic Press, 1992.
(1)
schobert 1828
- 1797 مؤلف موسيقي نمساوي. يعتبر أحد أعظم
الموسيقيين الرومانتيكيين.
(2)Keats
1821 - 1795 شاعر بريطاني.
(3)(Barrett - Browning (1861 - 1806 كاتبة بريطانية.
(4) خمجي (خامج) infectious، معدي
contagious. (التحرير)
|