Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink مارس1997 / المجلد 13 HyperLink

  New Page 1

 

التحكم في الحواسيب

بوساطة الإشارات العصبية

يمكن للنبضات الكهربائية الصادرة عن الأعصاب والعضلات أن تتحكم في الحواسيب

مباشرة، فتقدِّم بذلك طريقة تساعد الأشخاص المعاقين جسديا.

<S .H. لستد> - <O .R. كناب>

 

جاء في فيلم الخيال العلمي المعروف «الكوكب المحظور» Forbidden Planet أن رواد فضاءٍ قادِمين من الأرض يهبطون في عالم بعيد، حيث يجدون بقايا حضارة متقدمة تقانيا. ويلاحظ أن باستطاعة هؤلاء الزوار من البشر أن يتواصلوا مع أحد الحواسيب الغريبة التي ظلت تعمل. فقد بُلّغت أفكار ومشاعر هؤلاء الرجال إلى الآلة عن طريق مجسّات رأسية رُبطت بهم عبر قناة عصبية.

 

وقد رأينا أمثلة عديدة مشابهة لأشخاص رُبطت عقولهم بحواسيب مُمثّلةً في أعمال أخرى من الخيال العلمي. ويُصوَّر هذا الربط عادة في أن المرء يفكر ببساطة بالأمر فحسب، فيقوم الحاسوب بالاستجابة له فورا ـ وهذه عملية تشبه العملية التي يتبعها الحاسوب في تعرف الصوت. إن تعرّف الحاسوب الأفكار هو غاية ما يؤمل كواجهة تخاطب مع الحاسوب، وعندها تصبح الآلة امتدادا للجهاز العصبي البشري نفسه.

 

وعلى الرغم من أن تقانة الحاسوب تطورت كثيرا منذ عرض فيلم «الكوكب المحظور» قبل أربعين عاما، فإن بناء وصلة عصبية متنوعة بين الدماغَين البشري والإلكتروني يبقى تحديا هائلا. ولكن متابعة محاولات ربط الجهاز العصبي بدارات (دوائر) إلكترونية خارجية تعد قيّمة جدا إذا ما نظرنا إلى نتائجها التي يمكن أن تضع بين أيدينا وسيلة تواصل مع الحواسيب دون جهد. ويعد هذا الربط مفيدا جدا منذ الآن للأشخاص المعاقين المصابين بتلف في أعصاب التحريك العضلي ـ وهم مجموعة ليس لها حظ في التعامل مع الحواسيب بل في أي تأثير في العالم المحيط بها.

 

ولقد ساعد عملنا خلال العقد الماضي على جعل التحكم في الحواسيب «دون استعمال الأيدي» hands free حقيقة واقعة. إذ يمكن الآن للوصلات العصبية أن تلبي عددا من الحاجات، ولا شك في أن مطوري الشركات سيجدون مزيدا من طرق تطويع هذه التقنية. إن تصور ما يخبئه المستقبل في جعبته من هذه التطبيقات يحتاج فقط إلى بعض الخيال وإلى تفهم الكيفية التي قادتنا بها جهود الماضي إلى الإنجازات الحالية.

 

كهرباء جسم الإنسان

عُرفت الطبيعة الكهربائية للجهاز العصبي البشري ـ التي تشكل أساس التحكم العصبي المباشر في الحواسيب ـ منذ أكثر من قرن. فقد كان عالم الفيزيولوجيا الألماني <H .E. دوبوا-ريمون> أول من نشر عام 1849 اكتشاف تفرغ شحنات كهربائية ضئيلة عند تقلص عضلات ذراعه. مع أنه استعمل للوصول إلى ملاحظاته هذه أداة بدائية لقياس الڤلطية (الجهد الكهربائي) تدعى الگلفانومتر galvanometer. لقد ربط دوبوا-ريمون سلكَيْ هذا الجهاز بجسمه مستعملا قطعا من ورق النشاف المشبع بمحلول مالح لتخفيض مقاومة الوصل الكهربائية إلى أدنى حد ممكن. إلا أنه سرعان ما وجد أن الجلد يشكل عائقا أمام إشارات العضلات الموجودة تحته. فقام هذا الباحث المتفاني بإحداث جرح في كل من ذراعيه ورفع الجلد فيهما ليضع سلكي الجهاز داخل الجرحين، وبذلك تمكّن من التقاط الإشارات الكهربائية بقوة تزيد 30  مرة على تلك التي كان قد حصل عليها من دون المساس بالجلد.

 

لقد وضعت هذه الاختبارات المبكرة أسس التقنية المعروفة جيدا اليوم المطبقة في مراقبة تقلصات العضلات. إذ أصبح من السهل تسجيل الڤلطيات الصادرة عن نبضات ضعيفة للعضلات ـ وحتى تلك المخمدة نتيجة مرورها في الجلد ـ باستعمال مسارٍ electrodes حديثة من كلوريد الفضة إضافة إلى مضخمات emplifiers إلكترونية حساسة. وقد اعتمد باحثون في الطب على هذه الظاهرة لأول مرة خلال السبعينات في ابتكار أجهزة صناعية للمساعدة على الحركة تعمل باستشعارها تقلصات العضلات. كما تنبه علماء آخرون إلى إمكانية مساعدة الأشخاص الذين يعانون أمراضا أو أذيات جعلتهم من الضعف بحيث لا يستطيعون تحريك أي من أعضاء جسمهم، ويكون ذلك بالاستفادة من النبضات الكهربائية لألياف عضلاتهم الفاعلة: إذ إن كل ما يحتاجون إليه هو وضع مسارٍ عند عضلاتهم السليمة. وباتباع مثل هذه الاستراتيجية يمكن حتى للأفراد الشديدي الإعاقة تشغيل المعدات الكهربائية بوساطة إشارة العضلات الكهربائية (التي تدعى إشارة التخطيط الكهربائي للعضلات  electromyographic EMG، وهو اسم مستعار من مصطلح الرسم على الورق لمثل هذه النبضات.)

 

يتطلب الانتقاء من لائحة الخيارات في حاسوب شخصي إعادة التعامل مع لوحة المفاتيح أو مع «الفأرة». إلا أنه يمكن أيضا للأشخاص المعاقين جسديا أن يأمروا الحاسوب بالاستفادة من الإشارات الكهربائية في أجسامهم. فعلى سبيل المثال، تعاني <H. بلاك> شللا مخيا لكنها تستطيع تشغيل الحاسوب بالتحديق في واحد من المربعات الوامضة على الشاشة، وتقوم مسارٍ موضوعة خلف رأسها بالتقاط الإشارات المحرّضة بالومضات، ويميز توقيت هذه النبضات الخيار المرجو.

 

ولكن لا يمكن للمرء أن يعلق ببساطة مساري التخطيط EMG على جلد الشخص، ثم يدخل الأسلاك في المآخذ الخلفية لحاسوب عادي. فالأمر يحتاج إلى دارات إلكترونية خاصة وإلى برامجيات حاسوبية تقوم بتحليل وتفسير شكل نبضات العضلات. ورغبة منّا في مساعدة المهتمين  بهذه الجهود صممنا معدات تُستعمل كوصلة عامة الاستخدام بين الحاسوب وبين إشارات الجسم المختلفة. ولقد سمّينا ابتكارنا هذا بايوميوز(1) Biomuse.

 

وتتضمن مهمة ترجمة نبضات العضلات إلى شكل أكثر ملاءمة للحاسوب الرقمي أولا تضخيم الإشارات الفجّة المستشعرة من قِبَل المساري تضخيما يكبِّر هذه الجهود الكهربائية نحو10000مرة؛ ثم تقوم دارات أخرى بتحويل إشارات التخطيط EMG المضخَّمة إلى شكل رقمي. وبعد معالجات إضافية عديدة لهذه القياسات الرقمية يستطيع الحاسوب تحديد اللحظة التي تكون فيها ألياف العضلات متقلصة وتحديد مقدار ذلك التقلص. وبهذه الطريقة يستطيع النشاط العضلي توجيه عمليات الحاسوب الشخصي ـ تماما كما لو كان المرء يقوم بذلك باستعمال «الفأرة» أو «كرة الملاحقة (المسار).»

 

تقوم عضلات ذراعي <D. باركوت>، المصابة بشلل مخي، بتوليد إشارات كهربائية يمكن للحاسوب أن يستشعرها. وتلتقط مسار مثبتة تحت الربطة السوداء على ذراعها اليسرى التغيرات الطفيفة في الڤلطية التي تتغير عندما تبدأ مجموعات من ألياف العضلات بالتقلص. تقوم إحدى طالبات الدراسات العليا في الهندسة بجامعة نوتردام بتدريبها على تغيير النشاط العضلي في ساعدها من نشاط منخفض (في اليسار) إلى نشاط عال (في اليمين) ويعرض الحاسوب هذه الإشارات البيولوجية.

 

ولقد أثبتت بعض إجراءات التحكم في الحاسوب باستعمال إشارات العضلات قيمتها الكبرى لدى الأشخاص المعاقين. فعلى سبيل المثال قام <J .D. وارنير>، وهو عالم أعصاب في المركز الطبي بجامعة لوما ليندا في كاليفورنيا، عام 1993 بوصل مساري جهاز التخطيط EMG الخاص بنا بوجه طفل عمره عشر سنوات كان قد أصيب بشلل تام لكل ما تحت الرقبة بسبب حادث سيارة. وبذلك صار باستطاعة مريضنا الصغير تحريك أشياء على شاشة الحاسوب عن طريق تقليص عضلات محددة في وجهه ـ وكانت هذه هي المرة الأولى منذ الحادث التي استطاع الطفل فيها التعامل مع جزء من محيطه دون مساعدة.

 

ولكن لا داعي لأن يكون الشخص معاقا حتى يستفيد من إمكانات إشارات العضلات للتحكم في الحاسوب: فمثلا، نحن حاليا قيد تجريب «فأرة» التخطيط EMG، التي لا تحتاج إلى أيد لتشغيلها. ويمكن للمرء بوساطتها أن يغيّر مكان مؤشر (سهم) الشاشة مستعملا عضلات الساعد مثلا. ومثل هذه الأداة ستمكن من تحريك المؤشر دون الاضطرار إلى رفع اليد عن لوحة مفاتيح الحاسوب.

 

كمون كهربائي غير مقدّر حق قدره

هناك منحى آخر للتحكم في الحواسيب بوساطة الإشارات البيولوجية يستند إلى ظاهرة كهربائية لجسم الإنسان مختلفة تماما عن المذكورة آنفا: ألا وهي الكمون الكهربائي القرني الشبكي للعين. تنتج هذه الإشارة مما تظهره الشبكية، وهي مقر معظم النشاط الاستقلابي (الأيض) داخل العين، من ڤلطية سالبة قليلا بالنسبة للقرنية. فالعين، بمعنى ما، تؤدي دور بطارية (مدخرة) كهربائية. ويمكن لدارات إلكترونية أن تميّز تغيرات الڤلطية الصغيرة التي تظهر على وجه الإنسان عندما تغير العين اتجاه نظرها. وتدعى هذه النبضات إشارة التخطيط الكهربائي العيني electrooculographic EOG  (وهو اسم التسجيل لهذه النبضات).

 

إن قياس إشارات التخطيط EOG ـ خلال عدة عقود ـ أفاد الباحثين في مختلف الدراسات الفيزيولوجية كمؤشر مناسب لحركة العين. وفي عام 1953، استخدم كل من <N. كلايتمان> (من جامعة شيكاگو) و<E. أسيريسكي> (من كلية جيفرسون الطبية في فيلادلفيا) تسجيلات التخطيط EOG لتوثيق حركة العين خلال بعض فترات النوم. ويرافق هذه الفترات الخاصة نشاط شديد للدماغ مشابه لذلك القائم خلال حالة الاستيقاظ، مما دعا الباحثين إلى تمييز هذا النوع الغريب من النوم بتسميته: نوم حركة العين السريعة) rapid-eye-movement  REM.

 

ومع أن الباحثين في البداية استعملوا التخطيط EOG لتسجيل تحرك العيون فحسب، فإنه بدا في نهاية الثمانينات أن قياسات الكمون القرني-الشبكي يمكن أن تدلّ أيضا على جهة تحديق المرء. فإذا أُحسن وضع المساري electrodes فإن جهود التخطيط EOG ستتغير بشكل يتناسب مع درجة دوران العين ضمن مجال يقدر ب30 درجة حول المحور المركزي للعين. ومع حلول عام 1990 نشرت عدة مجموعات من الباحثين أبحاثا تفيد بتحقيقها بعض النجاح في استعمال هذه الطريقة لتحريك المؤشر (السهم) على شاشة الحاسوب. إلا أن المشككين ما فتئوا يعتقدون أن «الضجيج» الكهربائي المتمثل في التغير التدريجي للڤلطية عبر المساري «الانزياح المسروي» electrod drift سيجعل هذه الطريقة غير مناسبة لأي تطبيق عملي إلا في العروض المختبرية.

 

لكن جهودنا أسفرت عن إيجاد طريقة للتخلص من التداخل أو الضجيج الكهربائي وعن بناء أداة عملية للتحكم في الحواسيب. فقد استخدمنا لتحقيق هذه النتيجة النظام نفسه الذي كنا قد استخدمناه لتحديد إشارات العضلات، ولكننا في هذه المرة ركّبنا الجهاز كمراقب التخطيط EOG. وكما كانت الحال في معالجة التخطيط EMG فإن محلل التخطيط EOG يبدأ بتضخيم الجهود المحصّلة من المساري العديدة ثم يحولها إلى إشارات رقمية (مسريان لكشف الحركات العمودية للعين وآخران لبيان الحركات الأفقية). ثم يقوم النظام بتطبيق ما يسمى المنطق الضبابي fuzzy logic للفصل بين الحركة الحقيقية للعين والانزياح المسروي[انظر: ; Kasko- S. Isaka B. by"Fuzzy Logic,"

Scientific American, July 1993].

 

مركبات النظام بايوميوز

 

المستخدم (المستثمر)

يجب على الشخص الذي يستخدم النظام، بغية ترجمة النبضات البيولوجية (الحيوية) إلى أوامر لحاسوب عادي، أن يضع ربطة رأس أو ربطة يد مصممة لهذا النظام. يوجد داخل الربطة عدة مسارٍ تستطيع التقاط الإشارات الكهربائية الصادرة إما عن العيون أو عن العضلات والمارة عبر الجلد.

مضخِّم

تحتاج الإشارات الضعيفة التي تلتقطها المساري إلى التكبير أولا. بحيث تصبح أقوى بعدة آلاف المرات. والمعضلة التقنية الأساسية في هذه العملية هي أن كمية قليلة من الضجيج الكهربائي ستضخم بسهولة أيضا مع الإشارة، إلا إذا اتخذت بعض الاحتياطات. وإحدى الاستراتيجيات الشائعة هي استعمال ما يسمى بالمضخم التفاضلي differential amplifier، وهو أداة تكبّر فقط حاصل فرق (طرح) ڤلطيتي النقطتين المعتبرتين. وتنجح هذه الطريقة لأن معظم منابع الضجيج الكهربائي تؤثر في إشارات كل النقاط ومن ثم فحاصل فرق جهود المسريين سيكون غير ملوث بالضجيج.

محول قياسي إلى رقمي

تحتاج الڤلطيات المضخّمة إلى تحويلها لشكل يستطيع الحاسوب فهمه. ولتحقيق ذلك تقوم دارة خاصة اسمها المحول القياسي-إلى-الرقمي بأخذ عينات من الإشارة الواردة بشكل دوري ـ وتقوم بذلك بمعدل 4000 مرة في الثانية. ثم تحوِّل هذه الدارات قيم الڤلطيات المأخوذة إلى سلاسل من الأرقام. إن هذا التحويل دقيق لدرجة أن الخطأ الناتج من النقل إلى الشكل الرقمي هذا لا يتجاوز جزءا من واحد في المئة من قيم ڤلطية الإشارة.

معالج إشارات رقمي

إن معالج الإشارة الرقمي هو شيپة chip حاسوب تشابه في كثير من الأوجه الدارات المتكاملة التي تعمل كوحدات المعالجة المركزية في الحواسيب الشخصية. ولكن معالج الإشارة الرقمي يُصمم ليؤدي عددا من الحسابات العددية بسرعة وفعّالية. يقوم معالج الإشارة الرقمي في نظامنا باستخلاص المميزات المهمة من سلسلة الأرقام التي يستقبلها من المحول القياسي-إلى-الرقمي، كما يقوم بتمييز نماذج خاصة من سيل البيانات المتدفق. واعتمادا على هذه النتائج يحدد العضلة التي ولّدت الإشارات الكهربائية الأصلية.

عزل بصري

نظرا لإمكانية حدوث صدمة كهربائية كلما ثبتنا على الجلد مساري موصولة بجهاز فيه ڤلطية عالية (وهو الحاسوب في حالتنا هذه) فلا بد من الاحتراز لتجنب أي أذى. نقوم في نظامنا بقطع الإشارة الكهربائية في نقطة ما وتحويلها إلى إشارة ضوئية تنتقل عبر مسافة صغيرة. وهكذا بقطع المسار الكهربائي بوصلة ضوئية تمر الإشارة المفيدة دون تأثر، إلا أن إمكانية حدوث الصدمة الكهربائية تقلّ إلى حد كبير.

الحاسوب الشخصي

يعرض الحاسوب الشخصي الإشارات الملتقطة والمعالجة من قبل مركبات النظام الأخرى. يتحكم الحاسوب في حاسوب آخر أو في جهاز إلكتروني منفصل انطلاقا من الإشارات الكهربائية المولدة أصلا من حركات العين أو تقلصات العضلات. ويسمح الحاسوب أيضا بتعيير التحكم في النظام بما في ذلك مستوى التضخيم الكلي والعمليات الخاصة المطلوبة من معالج الإشارة الرقمي.

 

يمكن للمرء باستعمال هذه المعدات أن يشغّل حاسوبا بوساطة حركات العين وبشكل موثوق ـ مثلا بتوضيع موقع المؤشر فوق نقاط مختلفة على شاشة الحاسوب. ثمة تقنيات أخرى لتتبّع تحديق الإنسان تستعمل الأشعة تحت الحمراء أو أجهزة التصوير الڤيديوية، إلا أن جهاز التخطيط EOG أقل تكلفة بكثير من هذه الاستراتيجيات البديلة مما يجعل استعماله للتحكم في الحواسيب متاحا للعديد من الناس وبخاصة في مساعدة المعاقين.

 

جرّب وارنر عام 1991 في مركز لوما ليندا نظامنا الخاص بملاحقة العين لمساعدة طفلة كانت قد أصيبت وهي صغيرة بعاهة دائمة في عمودها الفقري. ونظرا لصغر سنها عند تعرضها للحادث فإن الأطباء في المركز المعالج تخوّفوا من تأثير القيود الفيزيائية، على تطور دماغ الفتاة. إلا أنه عندما وضع على رأسها عصابة EOG خاصة وجلست أمام شاشة حاسوب فإن هذه الفتاة البالغة من العمر 18 شهرا سرعان ما اكتشفت أنها تستطيع تحريك أيقونة icon على الشاشة (شكل وجه باسم) بوساطة عينيها. لقد أدركت كيف تتحكم في الشاشة فطريا دون أن تُعلَّم آلية تشغيل النظام.

 

قامت مؤسسات أخرى متخصصة بإعادة تأهيل ضحايا الشلل باستعمال تجهيزات مشابهة لكنها مزودة ببرامجيات «لوحة المفاتيح البصرية» التي تقوم بعرض لوحة مفاتيح الآلة الكاتبة التقليدية على الشاشة. ويمكن للمستخدم باستعماله حركات العين فقط أن يختار الحروف من المفاتيح المعروضة على الشاشة. وعلى الرغم من أن عملية تشكيل الكلمات بهذه الطريقة بطيئة فإن المرء يمكن أن يملي بوساطة تتابع مستمر لحركات العين عدة جمل بل وثائق كاملة وذلك مع التمرين (ومع بعض البرامجيات الذكية المساعدة).

 

وبما أن ملاحقة تحديق الشخص عن طريق إشارات التخطيط EOG يمكن أن تتم بدرجة عالية من الوثوقية فإن عددا من فِرَق التطوير تحاول إدخال هذه الآلية في تطبيقات أخرى. فقد تعاونّا، على سبيل المثال، مع أطباء من جامعة ستانفورد لتطوير طريقة لتصحيح اتجاه آلات التصوير بالألياف البصرية خلال جراحة التنظير الداخلي (عمليات تُجرى عن بعد داخل جسم الإنسان). فنظام التخطيط EOG الذي ابتكرناه يسمح للطبيب بتغيير حقل رؤية آلة التصوير بوساطة حركات عينيه في حين تكون يداه منهمكتين بتشغيل أدوات جراحية أخرى.

 

تحكم العقل

إن أدوات كشف إشارات التخطيط EMG أو EOG ربطت الناس بنجاج بالحواسيب؛ وذلك في طيف واسع من التطبيقات، ولكن العملية اعتمدت في كل هذه الحالات على ڤلطيات بيولوجية من العضلات أو من العيون. تُرى هل يمكن إجراء وصل عصبي دون المرور عبر هذه الوسائط؟ في الحقيقة، قام بعض الأشخاص بتشغيل الحواسيب بشكل بدائي باستعمال نشاط الدماغ الكهربائي الأصلي نفسه.

 

عينات من أمواج الدماغ

 

الأمواج ألفا،

تصدر عند حرف انتباه المرء وتتمتع بسعات كبيرة نسبيا وترددات متوسطة.

الأمواج بيتا،

تكون نتيجة نشاط فكري عال وتبدي عادة اهتزازات سريعة وسعات صغيرة.

الأمواج ثيتا،

يمكن أن ترافق مشاعر إرهاق عاطفي وتتميز بترددات منخفضة قليلا.

الأمواج دلتا،

تنتج من اهتزازات ذات ترددات منخفضة للغاية، وتحدث خلال فترات النوم العميق.

الأمواج ميو MU،

تصاحب هذه الأمواج الحركة الفيزيائية للجسم أو النية في الحركة، وهي تشبه في شكلها النصائب wickets المستخدمة في لعبة الكريكيت.

 

 

إن إصدار الدماغ البشري للإشارات الكهربائية ليس شيئا مفاجئا. ففي عام 1929 أطلق المحلل النفسي psychiatrist الألماني <H. بيرگر> مصطلح «التخطيط الكهربائي للدماغ» electroencephalogram، الذي شاعت معرفته باسم الـ EEG، على تسجيلات تغيرات ڤلطيات الدماغ التي يمكن كشفها بوضع مسارٍ على فروة الرأس. وتَصدر إشارات التخطيط EEG عن قشرة المخ؛ وهي طبقة من تلافيف النسيج العصبي سمكها عدة سنتيمترات. ويعتقد علماء فيزيولوجيا الأعصاب أن الخلايا الهرمية لقشرة المخ هي مصدر ڤلطيات التخطيط EEG. وتشكل كل من هذه الخلايا العصبية تيارا صغيرا ذا قطبين. وتعتمد قطبيته على طبيعة المدخل (الدخل) الصافي net input للخلية: صادّ أو حاضّ inhibitory or excitatory. وينتج من ذلك، أن طبقة الدماغ التي تتكدس فيها الخلايا الهرمية بكثافة تُصْدر نشاطا كهربائيا يتغير شكله باستمرار مع تغير النبضات العصبية.

 

ويمكن للقياسات الموجودة على فروة الرأس أن تعكس الأشكال الكهربائية الأصلية حتى لو تخمدت وتبعثرت بسبب مرورها عبر الجمجمة.

 

يسعى الباحثون منذ عدة عقود لإيجاد الترابط بين مختلف إشارات التخطيط EEG وبين تصرفات أو مشاعر محدّدة. وقد أدت هذه الدراسات، ببطء، إلى رسم خريطة وظيفية لقشرة الدماغ لدى الإنسان. فبمقدور العلماء اليوم أن يصمموا تجارب التخطيط EEG حسب حاجاتهم، وذلك بتوضيع المساري على الجزء المحدد من فروة الرأس الذي يقع مباشرة فوق مصدر النشاط الذي يرغبون في مراقبته. وبقصد استثمار هذا النشاط الكهربائي لتشغيل الحاسوب قام بعض العاملين بمحاولةٍ لعزل إشارات محددة للتخطيط EEG يستطيع الإنسان التحكم فيها وفق إرادته. ولكن لسوء الحظ، لا يمكن التحكم في المخرجات الكهربائية للدماغ بسهولة. وتشتمل الاستراتيجية الشائعة للتعامل مع هذه المسألة على القيام، باستمرار، بقياس كمٍ متنوع من إشارات التخطيط EEG ثم طرح المركبات غير المرغوب فيها بالترشيح.

 

إن تحليل إشارات التخطيط EEG المستمرة، أو أمواج الدماغ، علم قائم بذاته له مصطلحاته المعقدة الخاصة به. إن الأمواج المختلفة، كما هي الحال في محطات الراديو الكثيرة، ترتب حسب ترددات بثّها أو في بعض الحالات حسب هيئة أشكال الأمواج. وثمة خمسة أنواع منها ذات أهمية خاصة.

 

فالأمواج ألفا Alpha (وهي ذات ترددات تقع ضمن الحزمة من 8 إلى 13 هرتز) يمكن إصدارها بسهولة بوساطة حركات بسيطة عن طريق إغماض العين. وتكون هذه الأمواج عادة قوية جدا إلا أن سعتها تتناقص عند تعرض الشخص للضوء أو عند التركيز على صور غير واضحة أو بذل أي جهد فكري آخر. والأمواج بيتا Beta (تردداتها عادة بين 14 و 30 هرتز) يترابط وجودها بحالة الانتباه الفكري، ويمكن لترددها أن يصل إلى 50 هرتز خلال فترة النشاط الفكري الحاد. أما الأمواج ثيتا Theta (ترددها من 4 إلى 7 هرتز) فهي التي تظهر في حالات الإجهاد العاطفي وبخاصة الإحباط أو خيبة الأمل. أما الأمواج دلتا Delta (ترددها أقل من 3.5 هرتز) فتحدث خلال فترات النوم العميق. وأخيرا الأمواج ميو Mu (التي تعرف أيضا باسم إيقاع الويكت wicket rhythm للشبه القائم بين منحنيات أمواج التخطيط EEG المقوّسة وبين «النصائب (الأقواس)» wickets المستخدمة في لعبة «الكريكيت» croquet) وهي أمواج يبدو أن لها علاقة بالقشرة التحريكية: تنقص هذه الأمواج مع الحركة أو النية في التحرك.

 

إن معظم محاولات التحكم في الحاسوب التي تعمل بالقياسات المستمرة للتخطيط EEG تعتمد على متابعة الأمواج ألفا أو الأمواج ميو؛ لأن الإنسان يستطيع تعلم تغيير سعتي هاتين الموجتين بقيامه بالنشاط الفكري المناسب. وعلى سبيل المثال، يمكن للمرء أن يصل إلى النتيجة المرجوة باسترجاعه ذكرى صورة مثيرة للغاية، أو بزيادة مستوى الانتباه.

 

فعلى مدار العقد الماضي قام كل من <R .J. ولپو> و <J .D. ماكفرلاند> (من مركز وادسورث في ألباني التابع لوزارة صحة ولاية نيويورك) بتعليم بعض المرضى التحكم في سعة الأمواج ميو الخاصة بكل منهم وذلك بالنظر إلى مختلف أنواع النشاطات التحريكية مثل التبسُّم والمضغ والبلع. وقد استطاع المتدربون بعد ممارسة محدودة تعلم تشغيل مؤشر الحاسوب الذي جرت برمجته بحيث يتحرك بفعل تغير سعة الأمواج ميو المقاسة.

 

كما قمنا بإجراء تجارب على أمواج الدماغ، ففي عام 1987 ركّبنا واحدا من أجهزة بايوميوز التي ابتكرناها ليعمل متابعا لإشارات التخطيط EEG ثم هيأناه لينظم مُركِّبا للموسيقى الصنعية. لقد أعطت هذه التجربة برهانا ساطعا على فعالية هذه التقنية. كما قمنا بتنسيق النظام لكي يلتقط رشقات من نشاط الأمواج ألفا القابلة للإصدار وفق إرادة الإنسان عند صرف الانتباه مثلا. ويشكل مثل هذا الجهاز مفتاحا إلكترونيا يشغّل دماغيا، وهو جهاز يمكن تشغيله حتى من قبل شخص إعاقته شديدة.

 

<A. تاناكا> وهو يقوم بتأليف قطعة موسيقية بالاعتماد على إشارات عضلية فقط. وبوساطة مسارٍ مثبتة بذراعيه، تُشغل الإشاراتُ المستشعرة الحاسوبَ الذي يقوم بدوره في التحكم في آلات موسيقية مختلفة.

 

وقد طورنا جهازا مشابها لمريض برازيلي لا يستطيع الحراك كليا لإصابته بمرض التصلب الجانبي لعدم تغذية العضلات amyotrophic lateral sclerosis (المعروف أيضا باسم مرض لو جهريگ Lou Gehrig)، فصار يطبع كلمات باستخدام مفتاحنا، الذي يعمل بالأمواج ألفا، المرتبط بحاسوب شخصي مزود ببرامجيات لوحة المفاتيح المرئية على الشاشة. إن هذه العملية شاقة لأن المريض لا يستطيع الإجابة إلا «بنعم» أو «لا» فقط، لذا عليه أن يقوم بنحو ست إجابات متلاحقة لكي يخفض الخيارات إلى حد مفتاح وحيد محدد. إلا أن المريض يملك الآن جهازا مساعدا يمكنه من التواصل مع ما حوله، وهو ما كان محروما منه كليا.

 

وقد استفاد معاقون آخرون من أجهزة قياس أمواج الدماغ من نوع مختلف، تسمى متابع الكمون المحرَّض) evoked potential  EP لعمل الدماغ. وتصدر إشارة الكمون EP كاستجابة لبعض المنبهات ـ مثل صوت ضجيج عال أو ومضة ضوء ـ وتظهر هذه الإشارات بعد جزء صغير من الثانية من حدوث المسبب (المنبه). لقد استعملت طريقة كشف الكمون المحرَّض من قبل عدد من الباحثين للتحكم في الحواسيب عن طريق النشاط الكهربائي للدماغ. ونذكر على وجه الخصوص أن <E .E. سوتر> (من معهد سميث-كتلويل لأبحاث العين في سان فرانسيسكو) طوّر نظاما يسمح للأشخاص المعاقين جسديا باختبار كلمات أو جمل من لائحة خيارات معروضة على شاشة الحاسوب ضمن مربعات وامضة. وهكذا يستطيع الشخص الموصول بمسارٍ على فروة رأسه إبلاغ خياراته للحاسوب بالتحديق مدةَ ثانية أو ثانيتين في المربع الوامض المناسب. ومن متابعة الحاسوب لشكل استجابة الكمون EP وتوقيتها يستطيع تحديد أي من الومضات المكوّدة (المرمزة) سبب النشاط الكهربائي المحرَّض في الدماغ. وعندها يستطيع الحاسوب اعتماد الفقرة المختارة من مجموعة الكلمات أو الجمل المعروضة على الشاشة.

 

ويقوم <G. ماكميلان> وزملاؤه (من مختبر التقانات البديلة التابع لقاعدة القوى الجوية رايت-باترسون في مدينة دايتون بولاية أوهايو) بمثل ما قام به سوتر من تجارب على إشارات الكمون المحرَّض. فهم يأملون أن يساعدوا الطيارين العسكريين وذلك بتعليمهم كيفية التحكم في سعة إشارات الكمون EP بإرادتهم. فهذه الآلية ستزودهم بإمكانية تحكم بسيطة إضافية ـ إمكانية يستطيع الطيارون استخدامها حتى عندما تكون أيديهم وأرجلهم مشغولة بقيادة الطائرة.

 

مفاجآت مستقبلية

على الرغم من أن كمية هائلة من النشاط الكهربائي ترافق بوضوح عملية التفكير في الدماغ البشري، فإن الباحثين لا يميزون إلا بضعة من تلك النماذج الكهربائية التحتية انطلاقا من تغييرات الڤلطيات على فروة الرأس. فمثلا هناك نجاحات متواضعة في تحديد أي مجموعة خاصة من إشارات الدماغ ستصدر في كل مرة يفكر فيها الشخص بشيء محدد (نوعي) ككلمة ما أو كحرف من حروف الأبجدية. ولكن ربما ستنجح نظم أكثر تقدما من نظمنا الحالية في حل لغز أمواج الدماغ المعقدة وتحقيق هذا الإنجاز الباهر.

 

سيصعب الحكم على التوقعات المرجوة من التحكم في الحاسوب انطلاقا من الإشارات العصبية، لأن حقل الأبحاث هذا لايزال في طفولته. إلا أن تقدما ملموسا أُحْرِز بالاعتماد على قدرة الحواسيب الشخصية في إجراء العمليات السريعة جدا اللازمة لتعرّف نماذج من النبضات البيولوجية (الحيوية). ومازال البحث مستمرا لإيجاد إشارات جديدة قد تكون أكثر فائدة من تلك التي تم التقاطها حتى الآن. كما طوِّرت حديثا برامجيات حاسوبية يتم توزيعها الآن باستطاعتها استغلال السرعة والإمكانات الهائلة التي توفرها المكوّنات المادية الحاسوبية بفاعلية عالية.

 

وإذا أتت إنجازات القرن المقبل لتجاري خطوات العقود القليلة الأخيرة، فإن التواصل العصبي المباشر بين البشر والحواسيب ربما سينضج ويجد طريقه في النهاية إلى الاستخدام الواسع. وربما ستكون الحواسيب الجديدة التي سنشتريها يوما ما مزودة ضمنا بمجسّات بيولوجية (حيوية) وبرامجيات تعرّف الأفكار thought - recognition كما هي مزودة اليوم بلوحة المفاتيح وبالفأرة بشكل عادي. وإذا ما حدث هذا فإن أرباب الحواسيب في القرن الحادي والعشرين قد يدهشون عندما يعلمون أن هذه الطريقة للتحكم في آلاتهم كانت قد بدأت بالتطور في التسعينات من القرن العشرين من خلال دأب مجموعة من الباحثين الأكاديميين وعزيمة مجموعة من الرواد المعاقين جسديا.

 


المؤلفان

Hugh S. Lusted - R. Benjamin Knapp

عملا معا فترة عقد من الزمن. حصل لستد على الدكتوراه من مدرسة الطب في جامعة ستانفورد عام 1980، ثم أمضى عاما في دراسة تجديد الأعصاب بجامعة لندن. وعاد بعدها إلى جامعة ستانفورد للمشاركة في تطوير زرع قوقعة إلكترونية في الأذن ـ وهي جهاز اعتاد مع زملائه أن يطلق عليه اسم «الأذن الحيوية الإلكترونية» bionic ear. والتقى مع كناب خلال هذه الفترة الأخيرة عندما قدم الأخير إلى ستانفورد بعد حصوله على الإجازة في الهندسة الكهربائية من جامعة كارولينا الشمالية الحكومية. حصل كناب على الدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة ستانفورد عام 1989، ويعمل حاليا ضمن الهيئة التعليمية في جامعة سان جوس الحكومية. أسس المؤلفان شركة Biocontrol Systems عام 1989. وكلاهما يهوى الموسيقى (وبخاصة التي تولّد إلكترونيا) ويحافظ على علاقة حميمة مع مركز البحوث الحاسوبية في الموسيقى والأصوات بجامعة ستانفورد.

 


مراجع للاستزادة 

AN EEG-BASED BRAIN-COMPUTER INTERFACE FOR CURSOR CONTROL. J. R. Wolpaw, D. J. McFarland, G. W Neat and C. A. Forneris in Electroencephalography and Clinical Nezerophysiology, Vol. 78, No. 3, pages 2S2-2S9; March 1991.

BIOCONTROLLERS FOR THE PHYSICALLY DISABLED: A DIRECT LINK FROM NERVOUS SYSTEM TO COMPUTER. R. B. Knapp and H. S. Lusted in Virtual Reality and Persons with Disabilities: Proceedings. Edited by H. J. Murphy. California State University, 1992.

COMMUNICATION TECHNOLOGY FOR DISABLED PERSONS. Ericll E. Sutter in Handbook of Amyotrophic Lateral Sclerosis. Edited by Richard Alan Smith. Marcel Dekker, 1992.

MEDICAL INSTRUMENTATION, APPLICATION AND DESIGN. Edited by John G. Webster. Houghton Mifflin, 1992.

Scientific American, October 1996

 


(1) أي بيولوجيا الأفكار.   (التحرير)

 

HyperLink