Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink يناير2002 / المجلد 18 HyperLink

  New Page 1

 

كشف النقاب عن الثقوب السوداء(*)

حتى وقت قريب كانت الدلائل على وجود الثقوب السوداء عَرَضية

وغير مباشرة. أما الآن فقد وجد الفلكيون على الأرجح، برهانا مباشرا:

تختفي الطاقة في بعض مناطق الفضاء من دون أن تترك وراءها أي أثر.

<J-.P. لاسوتا>

 

يعتقد الفلكيون أن الثقوب السوداء موجودة في جميع أرجاء الكون. وتقع هذه الأجسام الخلابة في مراكز العديد من المجرات (بما فيها مجرتنا، درب التبانة)، حيث تتزاوج مع نجوم عادية أخرى لتشكل منظومات ثنائية؛ وقد تسير الثقوب منفردة في الفضاء بين النجوم (البينجمي). وتحتوي هذه الأجسام، وهي الأكثر تراصّا في الكون، على المادة في أغرب حالاتها المعروفة علميا ـ حيث تتجمع كتلة لامتناهية في الكبر في حجم لامتناهٍ في الصغر ـ حجم يكاد يشكل نقطة من الناحية الرياضياتية. لذلك فإن هذه الأجسام تُشكِّل تحديا قويا للراصدين، إذ إنها حقا سوداء، فهي لا تُصدر أية إشعاعات كهرمغنطيسية (كالضوء مثلا) ـ على الأقل ليس على المستوى الذي يمكن استشعاره.

 

هبوط غازي محفوف بالأخطار في ثقب أسود، تعتمد نتائجه على ما إذا كان الغاز الهابط سميكا (النصف الأيسر) أو رقيقا (النصف الأيمن). فإذا كان الغاز سميكا، تتصادم الجسيمات بكثرة ـ مطلقةً فوتونات، مما يؤدي إلى تحويل حركة الهبوط إلى حركة عشوائية (تُعرف بالحرارة) وإشعاع. وعندما تخترق الجسيمات الأفق الحدثي للثقب تكون هذه الجسيمات قد فقدت جُلَّ طاقتها. وتفقد الفوتونات الخارجة بعض الطاقة بسبب تآثرها مع المادة. أما إذا كان الغاز رقيقا، فتكون التصادمات نادرة الحدوث، والفوتونات نادرًا ما تتآثر مع المادة. وعندما تسقط الجسيمات عبر الأفق، فإنها تأخذ طاقتها الحركية معها. وفي هذه الحالة تكون قدرة الثقب (كنقطة انفرادية singularity) على ابتلاع الطاقة سهلة المشاهدة.

 

ولكي يستطيع الباحثون استنتاج وجود هذه الثقوب، وجب عليهم الاعتماد على نوعين من الحجج غير المباشرة. أولا: تتحرك النجوم في المناطق القريبة من مراكز المجرات بسرعة عالية لدرجة تجعلها تطير بعيدا في الفضاء لولا وجود كتلة مركزية هائلة ـ ما يعادل بليون كتلة شمسية ـ تجذبها بفعل الثقالة نحو الداخل. ولا بد للجسم الذي يحتوي على هذه الكتلة الهائلة أن يكون ذا كثافة عالية حقا، ولا يعرف العلماء النظريون جسمًا بهذه الخاصية سوى الثقب الأسود. وثانيا: يقوم العديد من مراكز المجرات والمنظومات النجمية الثنائية بإطلاق كميات من الإشعاعات والمادة بمعدلات هائلة. لذا لا بد أن تحتوي هذه الأجسام على آلية فعالة وغير مألوفة لإنتاج الطاقة، والأداة الأكثر فاعلية في ذلك هي الثقب الأسود نفسه ـ من الناحية النظرية، على الأقل.

 

هذه الأدلة جميعها تبرهن فقط على وجود جسم ما مُتَراص، ولكنها لا تؤكد وجود الثقوب السوداء اعتمادا على أي من خصائصها الفريدة ـ إذ إن إثبات وجود الثقب هنا لا يأتي إلا من غياب البديل. بل إن الغموض يكتنف التحقق في حالة المنظومات النجمية الثنائية، حيث يعلم الفلكيون بوجود جسم متراص له بعض خواص الثقب الأسود، وهو النجم النتروني Neutron star. ويمثل هذا الجسم أيضا حالة متطرفة من حالات المادة ـ مرصوصة بفعل الثقالة إلى كثافات هائلة ـ حتى إنها تشبه نواة ذرية ولكن بحجم مدينة كاملة! وتُمثِّل هذه الحالة نهاية الحياة للعديد من النجوم ذات الكتل العالية. ثم إن نصف قطر نجمٍ نتروني ذي كتلة تساوي كتلة الشمس هو نحو 30 كيلومترا وهذا يعادل "أفق الحدث" event horizon الذي يعين تخوم ثقب أسود ذي 10 كتل شمسية. ولكن الخصائص المرصودة، مثل درجة حرارة المادة التي تسقط نحو الجسم، لا تستطيع التمييز بين الجسمين ـ الثقب الأسود والنجم النتروني. وهكذا بقيت المشكلة الرئيسية في دراسة الثقوب السوداء هي في اكتشاف الطرائق الصحيحة للتمييز بينها وبين النجوم النترونية.

 

تشكِّل النجوم الحية والميتة بؤرة النزاع بين الثقالة ونوع ما من الضغط نحو الخارج، ويحدد توازن هذه القوى مع بعضها حجم النجم. (الأجسام الثلاثة المرسومة تحت الشمس في الشكل ـ لها جميعًا كتلة الشمس نفسها). وفي نجم حي عادي كالشمس، يكون مصدر الضغط هو الغاز، الذي ينجم عن التفاعلات النووية في قلب النجم. أما في القزم الأبيض - وهو "جسد" كثيف متوهج لنجم ميت يشبه الشمس- فالضغط انحلال كمومي يحدثه التراص الشديد للإلكترونات. أما في نجم نتروني، وهو من مخلفات احتراق وانفجار نجم ذي كتلة هائلة، فتكون الذرات قد تحطمت وبقيت النوى مكدسة فوق بعضها. وأخيرا في حالة ثقب أسود، ليس ثمة أي ضغط نحو الخارج؛ ومن ثم ليس ثمة أي معارضة للثقالة، وينهار النجم نحو الداخل إلى نقطة رياضياتية تقريبًا داخل سطح لا عودة منه يسمى أفق الحدث.

 

ولعل الفلكيين اكتشفوا طريقة لذلك، وهي طريقة تعتمد على اختلاف واضح بين النجوم النترونية والثقوب السوداء: فالنجوم النترونية لها سطوح قاسية يمكن أن تتراكم عليها المادة المنجذبة نحو الجسم؛ أما المادة التي تسقط على الثقوب السوداء فتُبتلع وتختفي إلى الأبد. ويؤدي هذا الاختلاف إلى تغير دقيق في الأشعة المنبعثة من المنطقتين المحيطتين بهذين الجسمين، مما يتيح للفلكيين أن يبرهنوا على أن الثقب الأسود ـ الجسم الأكثر غرابة في الكون ـ هو حقيقة واقعة.

 

عبر السميك والرقيق(**)

إن الثقالة الشديدة داخل الثقوب السوداء هي التي تجعل منها محركات فعَّالة. وأفق الحدث هو سطح يحيط بالثقب ولا يسمح بهروب أي شيء منه، حتى لو بلغت سرعة هذا الشيء سرعة الضوء. وتنجذب الأجسام نحو الأفق بسرعة عالية مناسبة، وتتعرض في طريقها للتصادم بأجسام أخرى وتتحطم، مما يؤدي إلى تسخين المواد قرب الثقب. ولما كانت هذه الأجسام تتحرك بسرعة عالية تُقارب سرعة الضوء، فإن الطاقة الحركية التي يمكن تحويلها إلى حرارة تُقارب الطاقة الملازمة للكتلة الساكنة (الطاقة = الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء،  E = mc2)  1). وحتى يعود الجسم إلى موقعه الأول، بعيدا عن الثقب، سيحتاج الجسم إلى أن يتنازل عن جزء كبير من كتلته، محولاً إياه إلى طاقة صرفة. وهكذا فإن الثقوب السوداء تستطيع تحويل الكتلة الساكنة إلى طاقة حرارية.

 

وتعتمد فعالية هذا التحويل على سرعة دوران الثقب الأسود حول نفسه؛ إن الزخم الزاوي angular momentum هو إحدى الخواص القليلة التي لا تفقدها المادة عندما تصبح جزءًا من الثقب. ومع أنه لا يمكن مشاهدة الدوران مباشرة، إلا أن هذا الدوران يفتل twists الزمكان space-time في المنطقة المجاورة للأفق. ومن ناحية أخرى لا يستطيع الثقب الأسود أن يدوَّم spin بسرعة عالية غير محددة، إذ إنه عندما تفوق السرعة الدورانية قيمة عظمى معينة، فإن سطح الثقب الأسود يتقلص ثم يختفي تماما. وهكذا فإن الثقب الذي يدوَّم قرب سرعته العظمى يستطيع تحويل 42 في المئة من الكتلة الساقطة عليه إلى طاقة، في حين أن ثقبا ساكنا يستطيع تحويل 6 في المئة فقط. وبالمقارنة فإن فعالية التحويل في الاندماج النووي الحراري thermonuclear fusion في النجوم العادية هي مجرد 0.7 في المئة، وفي انشطار اليورانيوم، تبلغ نسبة التحويل 0.1 في المئة فحسب.

 

تَفجُّر إشعاعات سينية من مصدر عابر بلغ ذروته في 13/8/1975؛ وعلى مدى بضعة أسابيع تضاعفت الشدة (المحور الرأسي) بمعامل 10000 على الأقل. هذا المصدر السيني، المعروف بـ A0620-00، والواقع في كوكبة وحيد القرن Monoceros، هو الأكثر سطوعًا على الإطلاق. وقد شاهد الفلكيون تفجرا في الضوء المرئي من المنطقة نفسها قبل 58 عاما، لكن المكاشيف السينية لم تكن معروفة في ذلك الوقت.

 

لو استطاعت الجسيمات الموجودة حول الثقب أن تتقاسم الطاقة فيما بينها ـ بالتصادم، مثلا ـ لكانت المادة الهابطة ساخنة إلى درجة تفوق التخيل. فدرجة حرارة پروتون ما خارج منطقة الأفق، والتي تعادل تحويل جزء كبير من كتلته إلى طاقة حرارية صرفة، هي نحو 1013 درجة. وتتوهج المادة في مثل هذه الدرجات مُطلِقةً أشعة گاما rays -&. ومع أنه يسهل تسخين الپروتونات (والأيونات، بصورة عامة)، فإنها لا تشع الطاقة بصورة جيدة، إذ إنها غالبا ما تنقل طاقتها، بالتصادم، إلى مصادر إشعاع أفضل منها وخاصة الإلكترونات، التي تطلق فوتونات ذات طاقات منخفضة، مثل الإشعاعات السينية(2). ولهذا ينبغي أن يشاهد الفلكيون دفقًا قويًا من الإشعاعات السينية من منطقة غنية بالإلكترونات.

 

وهذا بالضبط ما يرصده الفلكيون فعلا في بعض منظومات الثنائيات النجمية السينية(3) x-ray binary systems. وقد تم اكتشاف أول منظومة من هذا النوع عام 1962، ومنذئذ تحقق الفلكيون من هوية عدة مئات من هذا النوع من الثنائيات: إنها أكثر مصادر الإشعاعات السينية سطوعًا في السماء. ويُعتقد أنها تتألف من نجم عادي يتحرك في مدار حول جسم غير مرئي. وبعضها يُطلق إشعاعًا باستمرار، في حين يُشِعُّ بعضها الآخر من حين إلى آخر ولفترة إشعاعٍ تقدر بالشهور أو تكاد (وتسمى الأشعة السينية العابرة x-ray transients)؛ لكنها تقضي معظم عمرها في حالة هامدة، مُطلقةً القليل من الأشعة السينية، بل إن معظم هذه النظم لم تُرَ سوى مرة واحدة. وفي حالة التفجر، فإن هذه الأجسام تطلق من 3010 إلى 10 31واط من الإشعاعات السينية ـ أي ما يعادل 100000 ضعف من الخرج output الكلي للشمس.

 

إن توزع الطاقة في هذا الإشعاع يكاد يشبه شكل طيف ما يعرف بـ «الجسم الأسود» black body، أي إنه يماثل (ولكنه أشد بكثير من) الطيف المنبعث من أجسام عديدة متنوعة كالشمس، والفحم المتوهج، وحتى جسم الإنسان. وينبعث طيف الجسم الأسود من وسط ذي «سماكة ضوئية» عالية، أي وسط ذي كثافة مرتفعة، بحيث إن الفوتونات المتولدة داخل الوسط لا تستطيع أن تغادره إلا بعد أن تصطدم مرات عديدة بالإلكترونات. وتؤدي هذه التصادمات إلى بعثرة الفوتونات أو تدميرها، أو إلى إنتاج فوتونات جديدة، مما يعني إخفاء المنبع الأصلي للفوتون من جهة وإعطاء قيمة وسطية لكل تآثر من جهة أخرى. وهكذا فإن الطيف الناتج يعتمد فقط على درجة الحرارة والمساحة الكلية للسطح المُشِع. وبالمقابل فإن الفوتونات المنبعثة من جسم غازي، أي وسط «رقيق ضوئيا»، لا تتآثر إلا نادرا مع الوسط قبل الإفلات منه، لذا فإن طيفها الانبعاثي يعتمد على الخواص والدقائق التفصيلية للمادة (أي الغاز).

 

إن درجة الحرارة المرتقبة للثنائيات السينية هي نحو 710 درجة، وهي درجة متوافقة مع تلك المتوقعة من وجود ثقب أسود. ولكي يولِّد الانبعاث المرصود، فإن على الثقب أن يبتلع (أي يتنامى)، نحو 9-10 إلى 8-10 كتلة شمسية في العام، وهو ما يتفق مع تقديرات كمية الكتلة التي يفقدها النجم العادي بانتقالها إلى رفيقه (في الثنائية). وهكذا فقد تشكل الثنائيات السينية الآن أفضل برهان على وجود الثقوب السوداء(4).

 

جس النبض(***)

إلا أن الحجج نفسها تنطبق أيضا على النجم النتروني، الذي يشكل محركًا مدهشًا في غاية القوة؛ وإن كان أضعف من الثقب الأسود. وتستطيع المواد أن ترتطم بسطح النجم بنصف سرعة الضوء، مثلا، متحولة بذلك إلى طاقة بكفاءة 10 في المئة تقريبا ـ وهي ليست بالبعيدة عن الكفاءة في حالة ثقب نموذجي.

 

ويعرِف الفلكيون حقا أن الجسم المتراص compact في العديد من المنظومات الثنائية ليس ثقبا أسود، ويعتقدون أن النباضات pulsars الراديوية الموجودة في الثنائيات، مثلها مثل النوابض المنفردة، ليست سوى نجوم نترونية ممغنطة تدور بسرعة كبيرة. أما الثقوب السوداء الفلكية فلا يمكن أن يكون لها حقل مغنطيسي، وإنما هي عبارة عن أجسام مسطحة featureless، ولا تستطيع توليد النبضات المنتظمة التي تطلقها النباضات النجمية. كذلك لا يمكن أن يختلط الأمر بالنسبة إلى النباضات السينية المنفردة، فهي لا يمكن أن تكون ثقوبًا سوداء، حيث إن إشعاعًا نبضيًا منتظمًا ومستقرًا يستبعد وجود الثقب؛ وحتى التفجرات السينية غير المنتظمة تدل على وجود نجم نتروني، فهو يوفر سطحا يمكن أن تتراكم عليه المادة تدريجيا، وتنفجر من حين لآخر(5).

 

ثلاثة أساليب لتنامي المادة تُصدِر إشعاعات بطرق مختلفة. عندما يسقط الغاز لولبيًا فوق نجم نتروني، فإنه يطلق معظم طاقته عند الارتطام بالسطح (في اليسار). أما الغاز الساقط لولبياً نحو ثقب أسود، فإنه لا يرتطم بشيء، وإنما يختفي عبر الأفق. وفي هذه الحالة، إما أن يطلق الغاز طاقته قبل وصوله إلى الأفق (الوسط) كما يفعل إذا كانت كثافته عالية، بحيث تتصادم ذرات الغاز، وإما أن يحمل الطاقة معه إلى "القبر" (في اليمين). وهكذا يستطيع الفلكيون أن يستخدموا نوع الإشعاع الصادر لتحديد نوع الجسم الموجود في الداخل.

 

 ولسوء الحظ، فإن العكس ليس صحيحا، فغياب النبضات أو التفجرات لا يعني وجود الثقب الأسود بالضرورة، فليس من المتوقع، على سبيل المثال، أن يُنتِج نجم نتروني تزداد المادة فيه بمعدل عالٍ جدًا تفجرات سينية. لكن معدلات ازدياد المادة تتغير مع الزمن، مما يؤدي إلى حدوث مفاجآت. على سبيل المثال، كان الفلكيون يظنون أن المنظومة سيرْسينَس Circinus X-1تحتوي على ثقب أسود، ولكن ذلك انتفى عندما ظَهر أنها تطلق تفجرات سينية.

 

تتميز الثقوب السوداء بخاصيتين يمكن استخدامهما للتأكد من وجودها في المنظومات الثنائية: وجود كتلة كبيرة غير محدودة، وعدم وجود سطح صلد حول الجسم. فكتلة الثقب محددة بطريقة تكوينه ـ وخصوصا بكتلة النجم الذي تطور الثقب منه ـ وأيضا بكمية المادة التي ابتلعها الثقب. وليس ثمة أي مبدأ فيزيائي يُعيِّن حدا أعلى لكتلة الثقب؛ خلافا لما عليه الحال في الأجسام المرصوصة الأخرى، كالنجوم النترونية، حيث لها حدود عظمى في الكتلة لا يمكن تجاوزها.

 

إن كتلة أي جسم فلكي، عدا الثقب الأسود، محددة بقدرته على التماسك تحت وطأة وزنه. ففي النجوم العادية، تُولِّد الحركة الحرارية للجسيمات ـ حيث تأتي طاقتها من الاندماج النووي الحراري ـ الضغط اللازم لمنع انهيار النجم. أما النجوم الميتة، مثل النجوم النترونية والأقزام البيضاء، فإنها لا تولِّد أي طاقة، ومن ثم فإن الضغط (نحو الخارج) المعاكس للشد الثقالي هو نتيجة ما يسمى التردي degeneracy الكمومي، وهذه الظاهرة تُولِّد قوة خاملة passive، ناتجة من تآثرات ميكانيكية كمومية، تَظْهر بصفة خاصة في حالات الكثافة العالية جدا.

 

طبقا لمبدأ پاولي للإقصاء Pauli exclusion principle، هناك حد أعلى لعدد الفرميونات fermions (إحدى طائفتين من الجسيمات الأولية، التي تشمل الإلكترونات والپروتونات والنترونات)(6) التي يمكن أن تتراص في حجم معين من الفراغ. ففي نجم من نوع الأقزام البيضاء، تحاول الإلكترونات أن تتوضع في أدنى مستويات الطاقة الممكنة، ولكنها، بسبب مبدأ پاولي المذكور، لا تستطيع أن تكون كلها في المستوى الأدنى. فالمبدأ لا يسمح إلا لإلكترونين فقط باحتلال مستوى ما من الطاقة. لذا فإن الإلكترونات تتراكم في مستويات الطاقة زوجا تلو الآخر، وبداية من المستوى الأدنى، إلى أن يصل آخرها (الأزواج) إلى مستوى أعلى مناسب، تعتمد قيمته على كثافة الجسم موضع الدراسة. ويُحدث هذا التراكم ضغطًا معاكسًا للثقالة. (يمنع نفس المفعول مستويات الإلكترونات في الذرة من الانهيار فوق بعضها بعضًا). وهكذا فإن كتلة القزم الأبيض لا بد أن تكون أقل من 1.4 مرة كتلة شمسية، وفقًا لما برهنه <S. شاندراسيخار> عام 1930.

 

القبض على ثقب أسود متلبسًا(****)

<E.J. مكلينتوك>

إذا أراد الفلكيون مراقبة ثقوب سوداء وهي تبتلع الطاقة، فليس هناك مكان أفضل من النظر إلى المصادر السينية العابرة. والمصدر النموذجي من هذا النوع هو جسم سماوي يزداد سطوعًا خلال أسبوع بمقدار مليون ضعف في منطقة الطيف السيني ومئة ضعف في منطقة الضوء المرئي. ويظل المصدر ساطعًا هكذا مدة سنة تقريبا، ثم يتلاشى تدريجيا ويختفي عقدا أو ربما قرنا من الزمن قبل العودة إلى الظهور مرة أخرى. أما المصادر السينية المتغيرة الأخرى، مثل المصادر السينية التفجرية والنباضات النجومية السينية، فإنها لا تؤدي إلى مثل هذا الارتفاع الشديد والنادر والطويل الأمد في السطوع.

ويُقدِّر الفلكيون أن عدة آلاف من المصادر السينية العابرة والكامنة dormant قابعة في أنحاء مختلفة من مجرتنا، ولكنها غير مكتشفة حتى الآن. وقد رصد أكثر من عشرين جسمًا من هذه الأجسام وهي في حالة تفجر. وكل واحد منها هو جسم متراص- ثقب أسود أو نجم نتروني- في سيرورة تنامٍ وابتلاع غاز من نجم رفيق سيئ الحظ.

ومن بين هذه المنظومات كلها، فإن المنظومة التي وفرت لنا أكبر قدر من المعلومات القيمة هي الثقب الأسود العابر المعروف بـ GRO J1655-40. وقد تم اكتشاف هذه المنظومة من قبل <N.S. زانگ> ومساعديه [من مركز مارشال للطيران الفضائي التابع للوكالة NASA]، باستخدام ساتل مرصد أشعة گاما. ومنذئذ استطاع الفلكيون مشاهدة تغيرات في السرعة المدارية لنجمه الرفيق، (وهو ما أدى إلى الحصول على قياسات دقيقة لكتلة الجسم المتراص)؛ كما شاهدوا دلائل على أن الثقب الأسود يُدوَّم بسرعة؛ وأن هناك اهتزازات قريبة من الثقب، ودفقات من المادة تنبثق بسرعة تقرب من سرعة الضوء.

وقد سمحت سرعة النجم لرفيق للفلكيين أن يستنتجوا القيمة الدنيا لكتلة الجسم المتراص، وهي 3.2 كتلة شمسية. ومن العسير الوصول إلى تقدير أفضل للكتلة، ذلك أنه يعتمد على معرفة كميتين إضافيتين أخريين: كتلة النجم المرئي نفسه، ومَيْل المدار بالنسبة إلى خط النظر (من المراقب إلى المنظومة). لكن تم تعيين هاتين الكميتين من التغيرات في شدة الضوء الصادر عن النجم المرئي، وهو يدور حول الثقب (يمين الوسط). فالشدة الضوئية العظمى تحصل عندما نشاهد النجم ـ الذي استطال (لم يعد كرويا) بفعل الثقالة الناجمة عن الثقب ـ من جانبه العريض. أما الشدة الضوئية الدنيا فتحصل بعد ذلك بربع دورة، عندما ننظر إلى النجم من إحدى نهايتيه. ولحسن الحظ، فقد تبين أن المُشاهِد من مستوى خط النظر يرى المستوى المداري وقرص التنامي مُجانبةً edge-on تقريبًا، إضافة إلى أن سطح النجم الرفيق خلا من أي تشوهات، مثل البقع النجمية. وكانت النتيجة هي الحصول على أفضل وأدق قياس على الإطلاق لكتلة ثقب أسود مرشَّح، وهي 7.0 كتل شمسية.

وفي سلوك غير مسبوق لمنظومة سينية عابرة، تعرض GRO J1655-40 لانفجارين متقاربين في عامي 1994 و1996. وقد سبق السطوعُ الثابت في الضوء المرئي بنحو ستة أيام بدءَ التفجر السيني الذي حصل في 25/4/1996 (أسفل اليمين). ويعتقد النظريون أن هذا التأخير ناجم عن الزمن الضروري لكي تنتشر المادة نحو الداخل وتزيد من سُمك الغاز بالقرب من الثقب. ثم إن شكل الطيف السيني يوحي بأن الثقب الأسود تدوَّمَ بمعدل 90 في المئة تقريبا من القيمة العظمى المسموحة له.

وبعد مضي أربعة أشهر على ذلك، استخدم <A.R. ليميلارد> [من معهد ماساتشوستس للتقانة] ومساعدوه ساتلاً يضم مسبارَ روسّي لقياس التوقيت السيني the Rossi x-ray Timing Explorer Satellite، فشاهدوا اهتزازات عَرَضية occasional في الأشعة السينية. وبلغ عدد الاهتزازات نحو 300 اهتزاز في الثانية، وكانت أسرع ما شوهد على الإطلاق في منظومة ثقب أسود. ومن الناحية النظرية، فإن تردد الاهتزازات يعتمد على نصف قطر أفق الحدث للثقب الأسود، الذي يعتمد بدوره على كتلة الثقب وسرعة دورانه. وباستخدام قيمة الكتلة المقيسة لهذه المنظومة، يحاول الفلكيون الآن تعيين سرعة دوران الثقب بصورة أكيدة وذلك للمرة الأولى.

وخلال بضعة أشهر بعد التفجر، انبثقت من المنظومة دفقتان من المادة، دفقة من كلٍّ من جانبي المصدر، بسرعة قدرها 92 في المئة من سرعة الضوء. إن التسارع الذي حققته المادة ربما حدث على الحافة الداخلية لقرص التنامي، حيث يدور الغاز بالضرورة حول الثقب بسرعة تقارب سرعة الضوء.

هذا وقد عادت المنظومة الآن إلى حالتها الخامدة، وبدلا من قيام الغاز الموجود حول الثقب بالهبوط حلزونيا نحو الداخل وإصدار إشعاعات سينية، فإنه (أي الغاز) يهوي مباشرة إلى الداخل، ومن دون وقت كافٍ لإصدار إشعاع قبل ابتلاعه من قبل الثقب. وفي هذه السيرورة، فإن الذرات الغازية ونحو 99.9 في المئة من طاقتها الحرارية يجري تصريفها من الكون وتختفي إلى الأبد.


المؤلف

Jeffrey E. McClintock

فلكي فيزيائي أول في مركز هارڤارد-سميثونيان للفيزياء الفلكية. وقد اكتشف مع مساعديه أول ثقب أسود في مصدر سيني عابر عام 1986.

 

للنجم الرفيق سطوع متذبذب oscillating، سمح للفلكيين أن يحددوا وزْن الثقب الأسود في المنظومة الثنائية GRO J1655-40. إن النجوم لا تسطع وتُظلِم عادة بهذه الطريقة، ولكن هذا النجم قد تشوه بفعل ثقالة الثقب. ولما كان له شكل الإجاصة (الكمثرى) pear، أي إنه عريض إذا نُظر إليه من الجانب، فإنه يُصْدر كمية أكبر من الضوء (الإطار الصغير). هذا ويعكس الدور المداري كتلة الثقب.

 

بعد ستة أيام من بداية سطوع المنظومة الثنائية GRO J1655-40 في الضوء المرئي (في اليسار)، بدأت أيضا بدلق كميات كبيرة من الإشعاعات السينية (في اليمين).

 

مقاومة الثقالة(*****)

في النجوم النترونية، تصل الكثافة إلى قيم عالية لا يستطيع معها التردي الإلكتروني الآنف الذكر مقاومتها. وهكذا تتحطم الذرات (ونواها) وينتج من ذلك إلكترونات وپروتونات ونترونات حرّة؛ ثم تتراص الپروتونات والإلكترونات بعضها مع بعض مشكلة نترونات، وتلتحم نوى الذرات، وبذا يتحول الجسم كله إلى كرة من النترونات. ولما كانت الجسيمات لا يمكنها أن تتوضع جميعها في مستوى الطاقة نفسه، فإنها تتراكم مولدة ضغطًا نحو الخارج.

 

يتألف تدفق التنامي في مجموعة سينية عابرة من غاز شبه كروي، رقيق وساخن (اللون الزهري) محاط بقرص تنامٍ كثيف وبارد (الأحمر). في الحالة الهامدة (المعتادة) (1) يسقط الغاز الساخن في الثقب الأسود، مُصدرًا كمية ضئيلة من الإشعاع ـ وهو وضع يسميه الفلكيون تدفق التنامي التأفقي (ADAF). ولكن خلال التفجر، يسخن القرص المضطرب ويتوهج في الضوء المرئي (2). وتبدأ الحافة الداخلية للقرص بالتقدم نحو الثقب 3، 4، 5)، آخذة مكان المنطقة التأفقية، حتى تبدأ بإصدار الإشعاعات السينية. ويُفسر هذا النموذج تأخر تفجر الأشعة السينية ستة أيام عن تفجر الضوء المرئي، وهو التأخر الذي رصده الفلكيون في الـ GRO J1655-40.

 

إن خصائص المادة النووية المتردية ليست معروفة جيدا، إذ يجب أن يؤخذ في الاعتبار التآثرات القوية بين النترونات ـ ومكوِّناتها من الكواركات(7) quarks. لذا فإن الباحثين غير واثقين من القيمة العظمى لكتلة النجم النتروني، على الرغم من أن حججًا مبسطة توضح القيمة العظمى المطلقة لهذه الكتلة. ففي نجم متردٍّ، يتزايد الشد الثقالي مع ازدياد الكتلة. ولمقاومة ذلك الشد، يجب أن تزداد المادة صلابة، مما يؤدي، عندما تتجاوز الكتلة قيمة حرجة، إلى قيمة من الصلابة تصبح عندها سرعة الصوت (في النجم) أعلى من سرعة الضوء (في الفراغ) وهو ما يناقض مبادئ أساسية في النظرية النسبية relativity theory. وقد وُجد أن الكتلة العظمى الحرجة، التي يمكن أن تتجنب فيها المادة هذا التناقض، هي نحو ستة أضعاف كتلة الشمس. وطبقا لحسابات أكثر تفصيلاً قامت بها مجموعات أمريكية وفرنسية ويابانية، فإن الكتلة العظمى هي في الحقيقة أقل من ثلاث كتل شمسية. ونشير إلى أن النجوم النترونية المعروفة لا تتعدى كتلتها ضعف الكتلة الشمسية.

 

وهكذا باستخدام سيرورة حذف متتالية elimination process، نتوصل إلى أن ما يسميه الفلكيون ثقوبا سوداء ـ أو لِنَقُلْ، من باب الحيطة، ثقوبا سوداء مرشحة ـ هي تلك الأجسام المدمجة التي تتجاوز كتلة كل منها ثلاث كتل شمسية. ونستطيع تحديد القيمة الصغرى لكتلة نجم ثنائي وذلك بقياس سرعة النجم(8) واستخدام قوانين كِپلر للحركة المدارية. ويعرف الفلكيون، في الوقت الحاضر، سبع ثنائيات سينية عابرة x-ray transient binaries، يُحقق فيها الجسم المتراص بالتأكيد شرط الكتلة المطلوب للثقب الأسود. ومع وضع بعض الافتراضات الإضافية، تمكن هؤلاء الفلكيون من تقدير الكُتَل الحقيقية لهذه الثقوب، فوجدوها تراوح ما بين 4 و 12 كتلة شمسية.

 

جاء البرهان على وجود الثقوب السوداء من مقارنة سطوع (المحور الرأسي) أجسام تزن أكثر من 3 كتل شمسية (الدوائر السوداء) بسطوع تلك التي تقل كتلتها عن ثلاث كتل شمسية (الدوائر البيضاء). وكما نرى، فإن الأجسام الأثقل تكون باهتة أكثر من الأجسام الأخف حتى لو كان دورهما المداري واحدًا (المحور الأفقي). إلا أن الدور المداري هو الذي يحدد معدل تنامي المادة وبالتالي كمية الإشعاع الصادر. ويمكن تفسير الاختلاف إذا كانت المادة والطاقة تختفيان من الكون،وهو ما يحققه الثقب الأسود وحده. (الأسهم تشير إلى الحدود العليا للقياسات).

 

وتصبح عملية تشخيص هذه الأجسام على أنها ثقوب سوداء أكثر وثوقية، لو أنها أظهرت الخاصية الأخرى التي لا تمتلكها النجوم النترونية: وهي عدم وجود سطح قاس؛ فأفق الحدث هو ببساطة سطح اللاعودة، وأي شيء يسقط عبره يختفي من كوننا إلى الأبد.

 

إذا سقطت قطرة blob من الپلازما الساخنة في ثقب أسود، ولم يكن لديها الوقت الكافي لتُشِعَّ طاقتها الحرارية، فإن هذه الطاقة ستنسحب مع المادة إلى الداخل. ولا تظهر هذه الطاقة مطلقًا مرة أخرى للراصد البعيد، وإنما تتأفّق be advected 9  عبر أفق الحدث وتختفي إلى الأبد. ولا يخالف هذا التسرب قانون حفظ الكتلة ـ الطاقة، إذ إن الطاقة الحرارية تصبح جزءًا من كتلة الثقب نفسه. لكن ذلك يقلِّل كثيرا من الكفاءة الظاهرة للثقب الأسود. وعلى نقيض ذلك، عندما تسقط الپلازما الساخنة على نجم نتروني، فإن طاقتها الحرارية سوف تُشَع بأكملها في نهاية المطاف ـ إما من الپلازما ذاتها أو من سطح النجم النتروني.

 

لذلك يمكن تمييز الثقوب السوداء والنجوم النترونية بسهولة بعضها من بعض، عندما تكون المادة المتنامية - وأيًا كان السبب- غير قادرة على التخلص من حرارتها قبل وصولها إلى الأفق أو سطح الجسم. وفي ورشة عمل في كيوتو (اليابان) عام 1995، سَمَّيتُ مثل هذه التدفقات تدفقات التنامي التأفقية advection-dominated accretion flows  ADAFs ، وشاع هذا الاسم منذ ذلك الوقت. إن الپلازمات الساخنة جدا والرقيقة هي أمثلة للمشعاعات radiators الضعيفة، لذا فإن الفلكيين بحثوا عن مصادر أشعة سينية أو گاماتية gamma-rays، أقل ضياءً مما يجب أن تكون عليه مع افتراض كفاءة إشعاعية نحو 10 في المئة.

 

تصريف الغازات في الثقب(******)

إن المواد التي تهوي نحو جسم مدمج لا تسقط مباشرة، وإنما تستقر في مدارات دائرية تقريبا بسبب انحفاظ الزخم الزاوي، ومن ثم يمكنها الهبوط أكثر إذا توفر الاحتكاك الذي يزيل ذلك الزخم. ويؤدي الاحتكاك أيضًا إلى تسخين الغاز المتنامي. وإذا استطاع الغاز أن يتبرَّد بكفاءة، فإنه يفقد طاقة مدارية ويشكل بنية رقيقة مسطحة، تسمى قرص التنامي accretion disk. وقد شوهدت بالفعل أقراص من هذا النوع في عدد من المنظومات الثنائية(10). أما إذا كان التبريد قليل الكفاءة، كما في حالات الجريان ADAFs، فإن المادة تأخذ شكلا كرويا تقريبا.

 

منذ زمن طويل ـ في عام 1977 ـ استخدم <S. إيشيمارو> [من جامعة طوكيو] هذا المفهوم لشرح بعض خصائص الثنائية الدجاجة Cygnus X-1، ذات الكتلة العالية، والتي تحتوي على أول مرشح معروف كثقب أسود، ولكن عمله ظل مغمورا لسبب ما. أما الاهتمام الحديث والمكثف بسيرورة الجريان ADAFs فقد بدأ عام 1994 بنماذج نظرية بسيطة للحالات الرقيقة ضوئيا، قدمها كل من<R. نارايان> و<I. يي> [من جامعة هارڤارد]و<M. أبراموڤيش> و<X. تَشِن<ْ [من جامعة گوتنبرگ]، و<S. كاتو> [من جامعة كيوتو]، و<O. ريجيڤ> [من جامعة حيفا]، وكاتب هذه المقالة. وقد حققت هذه النماذج - على أيدي هؤلاء الباحثين وآخرين غيرهم مثل<A. إيسن> و< R. مهاديڤان> و<E.J. مكلينتوك> [من مركز هارڤارد - سميثونيان للفيزياء الفلكية] ثم<F. هونما> من كيوتو - نجاحا تلو الآخر. فعلى سبيل المثال، يستطيع نموذج ADAFs أن يفسِّر الطيف الصادر عن مركز مجرتنا، مؤكدًا بذلك اقتراحًا سابقًا كان قد قدمه <J.M. ريس> [من جامعة كامبريدج] في مؤتمر عقد عام 1982.

 

هناك أحد أنواع المنظومات الثنائية، وهي منظومة سينية عابرة وخاملة، تبدو كأنها تحتوي على تدفقٍ تناميٍّ يتألف من مكونين: الجزء الداخلي هو ADAF، والجزء الخارجي هو قرص تنام منبسط، وتبقى هذه المنظومات خاملة معظم الوقت، ويَصدُر الجزء التأفقي (ADAF) في هذه الأثناء القسم الأكبر من الإشعاع الضعيف المرصود. ومن حين إلى آخر تطلق المنظومات دفقة شديدة من الإشعاع. ولما كان الجزء التأفقي مستقراً بطبيعته، فإن هذه التفجرات لابد أن تنطلق في القرص الخارجي.

 

في20 /4/1996، كان فريق من الفلكيين (مكلينتوك، و<R. ريميلارد> [من معهد ماساتشوستس للتقانة]، و<J. أوروز> [من جامعة بنسلڤانيا الحكومية] و<C. بيلين> [من جامعة ييل]) يشاهد العابر السيني GRO J1655-40. وقد بدا للوهلة الأولى أن البيانات المرصودة ليست على ما يرام، إلا أنه سرعان ما اتضح أن الفريق رصد فعلا، وبضربة حظ، حدثا بالغ الندرة، أي تفجراً. وعلى مدار الأيام الخمسة التالية، ازداد لمعان المنظومة في الضوء المرئي، ولكن الطيف السيني بقي من دون أي نشاط.

 

ولكن في اليوم السادس، بدأت المنظومة بإصدار إشعاع سيني قوي. وكما أوضح كل من < J.M. هاميوري > [من مرصد ستراسبورگ]، ومكلينتوك ونارايان وكاتب هذه المقالة، فإن هذا التأخر الزمني هو بالضبط ما يمكن توقعه من تدفقٍ تناميٍّ يتألَّف من مكونين، إذ يصدر القرص الخارجي، البعيد عن الثقب الأسود، ضوءاً ولا يصدر إشعاعات سينية. وهكذا فإن بداية التفجر لا ترى إلا في أطوال الموجات المرئية. لكن بعد ذلك تأخذ المادة بالانتشار diffusion نحو الثقب الأسود بمعدل أسرع، وتبدأ المنطقة الرقيقة من الـ ADAF بالامتلاء إلى أن تشرع في إصدار إشعاعات سينية. لقد أعطت الأرصاد تأكيدا رائعا وغير متوقع لهذه النظرية [انظر الإطار في الصفحة 49].

 

وقد استخدم كل من نارايان ومكلينتوك و<M. گارسيا> [من مركز هارڤارد - سميثونيان للفيزياء الفلكية ] السينيات العابرة الخاملة ليقدموا أول معيار كمي لتمييز الأجسام ذات السطوح القاسية (النجوم النترونية) من تلك الخالية منها (الثقوب السوداء). وقد اقترحتُ لاحقًا معياراً مختلفاً يقوم على الحقيقة التالية: إن النجوم النترونية العابرة الخاملة ينبغي أن تكون أكثر سطوعًا من الثقوب السوداء، في حال تساوى معدل التنامي فيهما. ومع أنه لا يمكن قياس معدل التنامي هذا مباشرة، إلا أنه يمكن استخدام الدور المداري بديلاً لذلك، إذ إنه إذا تساوى الدور المداري لجسمين فإنهما "يلتهمان" المادة بنفس المعدل تقريبا. ومع أخذ جميع هذه الأمور بالاعتبار، يتوقع الباحثون أن تكون منظومات الثقوب السوداء أكثر عتامة من منظومات النجوم النترونية، التي لها الدور المداري نفسه. ولما كنا لا نعرف إلا أدوار عدد قليل من المنظومات، فإن الفرق المتوقع لم يحدد بدقة حتى الآن. ومع ذلك فإن الثقوب السوداء المؤكدة هي أكثر عتامة من النجوم النترونية لجميع الأدوار المدارية المعروفة. [انظر الشكل التوضيحي في الصفحة 51].

 

ومع أن أبحاثا حديثة أثارت شكوكا حول نموذج الـ ADAF البسيط، لأنه لا يأخذ في الاعتبار التدفقات نحو الخارج، فإن النماذج الأكثر عمومية لا تزال تتطلب وجود ثقب أسود لكي تعطي نتائج متوافقة مع الأرصاد. ولا يزال إيجاد نموذج للتدفق في الثقوب السوداء مجال بحث في غاية النشاط. وعلى كل حال، فإن ما نستطيع فعله الآن هو نقل الأجسام الذي لا تسمح لها كتلتها الكبيرة بأن تكون نجماً نترونياً، من مجموعة الأجسام المرشحة كثقوب سوداء إلى مجموعة الثقوب السوداء المؤكدة. فالجسم ذو أفق الحَدَث هو الوحيد الذي يمكنه أن يجعل الطاقة تختفي بالشكل الذي يستنتجه الفلكيون في هذه المنظومات. ومن المتوقع أن تقدم الأرصاد القادمة من المراصد المدارية، مثل تشاندرا Chandra وXMM ، إضافات إلى القائمة. والثقوب السوداء يمكن أن تظل سوداء، لكنها لن تستطيع التخفي بعد الآن، إذ إننا نتعلم الآن كيف نكشف النقاب عنها.

 


 المؤلف

Jean-Pierre Lasota

كان المؤلف يعتقد أن الفلك علم مُمِل، وكانت اهتماماته الحقيقية تتجه نحو الأدب والتاريخ؛ إلا أن العلوم الإنسانية كانت مكبوتة في بولندا حينذاك، حيث كانت نشأته في ظل العقائدية الماركسية. وعلى هذا تمكن والده ـ الذي كان على معرفة شخصية بآينشتاين ـ من إقناعه بدراسة الفيزياء. وبعد عشر سنوات من بداية عمله في نظرية الثقوب السوداء، أخذ المؤلف يتعرّف الجانب الرصدي للفلك، ولم يجده ثقيلاً أو مملاً كما كان يعتقد. ومن عام 1987 إلى 1998 تولى لاسوتا رئاسة قسم الفيزياء الفلكية النسبوية والكونيات في مرصد باريس. ويشغل حاليًا منصب مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية، وانضم حديثا إلى معهد الفيزياء الفلكية في باريس.

 


مراجع للاستزادة 

BLACK HOLES, WHITE DWARFS, AND NEUTRON STARS: THE PHYSICS OF COMPACT OBJECTS. Stuart L. Shapiro and Saul A. Teukolsky. John Wiley & Sons, 1983.

BLACK HOLES AND RELATIVISTIC STARS. Edited by Robert M. Wald. University of Chicago Press, 1998.

GRAVITY'S FATAL ATTRACTION: BLACK HOLES IN THE UNIVERSE. Mitchell C. Begelman and Martin J. Rees. W. H. Freeman and Company, 1998.

PROBING STRONG GRAVITATIONAL FIELDS IN X-RAY NOVAE. Jeffrey E. McClintock in Accretion Processes in Astrophysical Systems: Some Like It Hot! Edited by Stephen S. Holt and Timothy R. Kallman. American Institute of Physics, 1998. Preprint available at xoc.lanl.gov/abs/astro-ph/9802080 on the World Wide Web.

ADAFs: MODELS, OBSERVATIONS AND PROBLEMS. Jean-Pierre Lasota in Physics Reports, Vol. 311, Nos. 3-5, pages 247-258; April 1999. Preprint available at aocac.lanl.gov/abs/astro-ph/9806064 on the World Wide Web.

Scientific American, May 1999


(*) Unmasking Black Holes

(**) Through Thick and Thin

(***) Taking a Pulse، في بداية اكتشافها، كانت النجوم النترونية تُعرف بالنجوم النباضة، بسبب إرسالها إشعاعات على شكل نبضات.

(****) A Black Hole Cought in the ACT

(*****) Resisting Gravity

(******) Down the Drain

 

 


(1) علاقة آينشتاين الشهيرة التي تربط بين الكتلة والطاقة.

(2) تُطلِق الثنائيات إشعاعات سينية، بسبب سرعة دوران نجمي الثنائية أحدهما حول الآخر.

(3) طاقة الإشعاعات السينية منخفضة مقارنة بفوتونات گاما، ولكنها عالية بالنسبة إلى الفوتونات المرئية. (التحرير)

(4) [انظر: "The Search for Black Holes," by Kip S. Thorne; Scientific American, December 1993].

(5) [انظر: "X-ray Binaries," by Edward P. J. van den Huvel-Jan van Paradijs; Scientific American, November 1993].

(6) النوع الأخير من هذه الجسيمات هو البوزونات bosons الذي يشمل الفوتونات. (التحرير)

(7) [انظر: "The Nuclear Equation of State," by H. Gutbrod - H. Stöcker;; Scientific American,November 1991].

(8) تقاس هذه السرعة بالاعتماد على مفعول دوپلر.

(9) يشير إلى جريان أفقي، أي موازٍ للسطح.

(10) [انظر: “Accretion Disks in Interacting Binary Stars"," by J. K. Cannizzo - R. H. Kaitckuck;Scientific American, January 1992].

 

HyperLink