Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink نوفمبر - ديسمبر2009 / المجلد 25 HyperLink

  مجلة العلوم

  

اتقاء الجائحة التالية(*)

إن شبكة دولية لرصد انتقال الڤيروسات من الحيوانات

إلى البشر قد تساعد العلماء على تفادي الأوبئة العالمية.

<N. ولف>

 

 

مفاهيم مفتاحية

  نشأت معظم الأمراض المُعْدِيَة التي تصيب الإنسان لدى الحيوانات.

  على مسار التاريخ ركز علماء الوبائيات على الحيوانات الأليفة كسبب لهذه المصائب، إلا أن الحيوانات البرية أيضا نقلت إلينا الكثير من الأمراض، ومنها ڤيروس العوز المناعي البشري HIV.

  وللتصدي للأخطار التي تفرضها تلك الحيوانات يدرس الباحثون الكائنات الميكروية لدى تلك المخلوقات ولدى الناس الذين خالطوها مخالطة لصيقة.

  ويمكن لمثل هذا الرصد أن يجعل بمقدور العلماء تعرف الأمراض المُعْدِيَة المُسْتَجِدَّة في وقت مبكر يكفي للحيلولة دون تحولها إلى جائحات.

محررو ساينتفيك أمريكان

 

تصبب العرق على ظهري كأنه جدول متدفق، وجرحت الشجيرات ذات الأشواك ذراعيّ فيما فقدنا أثر الشمبانزيات البرية مرة أخرى. لقد اقتفيت مع زملائي آثارها على مدى خمس ساعات، وها هي الآن تتوقف عن الصياح والنخير والصراخ، وهي الأمور التي كانت تساعدنا على تتبع آثارها في غابة كيبالي في أوغندا. وكان الهدوء المفاجئ للقرود الذكور الثلاثة الضخمة يعني أمرا جللا. ففجأة، وفيما كنا نقترب من ساحة عارية من الأشجار عثرنا على الشمبانزيات الثلاثة واقفة تحت شجرة تين ضخمة وهي تمعن النظر في جماعة من نسانيس الكولوبوس الحمراء وهي تأكل وتلعب على قمة الشجرة.

 

واصلت النسانيس تناول وجبتها الصباحية في غفلة عن القرود الضخمة الثلاثة التي تقبع تحت الشجرة، وبعد ما بدا كأنه تشاور بين الشمبانزيات الثلاثة، تفرقت الشمبانزيات عن بعضها، وفيما كان القائد بينها يزحف نحو شجرة التين، تسلق رفيقاه شجرتين مجاورتين بصمت، وعندها، وفي لمح البصر، تسلق القائد شجرته وهو يصرخ. وانهمرت أوراق الشجرة فيما كانت النسانيس تحاول يائسة التملص من الشمبانزي المهاجم. إلا أن الشمبانزي كان قد حسب اندفاعه بدقة بالغة: فمع أنه لم يفلح هو نفسه في الإمساك بأحد النسانيس، فإن أحد شريكيه أمسك بنسناس يافع وأخذ بالنزول من الشجرة ليصل إلى أرض الغابة وهو يجر هذا النسناس، وبدا أنه متأهب لاقتسام غنيمته.

 

وفي الوقت الذي كانت الشمبانزيات تأكل وليمتها من اللحم النيئ للنسناس وأحشائه، أخذتُ أفكر كيف أن ذلك المشهد يتضمن جميع عناصر التدفق المفاجئ والكامل الذي يسمح للكائنات الميكروية بالقفز من أحد الأنواع إلى نوع آخر، وهو مشهد شديد الشبه بمشهد المسافرين في الفضاء الذين يقفزون من مجرة لأخرى بسرعة مذهلة، إذ يتمتع أي عامل مسبب للمرض لدى النسناس بالظروف المثالية التي يستطيع خلالها الدخول في نمط جديد من المضيفين. فالشمبانزيات كانت تتناول بأيديها اللحم الطازج وتأكله، وأيديها ملطخة بالدماء وباللعاب والبراز، وما يمكن أن يحمله كل منها من العوامل المسببة للمرض، ثم إن رُشاش الدماء والسوائل الأخرى قد وجد طريقه إلى عيون الشمبانزيات وأنوفها؛ كما أن أي قرحة، أو جرح، على أجسام تلك القردة الصيادة قد تشكل منطقة ضعف ومدخلا مباشرا للمُمْرضات إلى جريان الدم. وفي الواقع، لقد أظهر العمل الذي قام به زملائي وآخرون غيرهم أن الصيد الذي تقوم به الحيوانات والناس يوفر جسرا يسمح للڤيروسات بالقفز من الفريسة إلى المفترس. ولقد بدأ الشكل الجائحي من العدوى بڤيروس العوز المناعي البشري HIV بهذه الطريقة، إذ انتقل من النسانيس إلى الشمبانزيات، ومنها انتقل بعد ذلك إلى البشر.

 

وتنتشر العدوى بڤيروس (بحمة) العوز المناعي البشري HIV اليوم على نحو واسع يصعب معه تخيل العالم بدونه، إلا أن حلول جائحة عالمية لم يكن قدرا محتوما، فلو بحث العلماء عن علامات الأنماط الجديدة للعداوى بين الأفريقيين في الستينات أو السبعينات من القرن العشرين لكان بإمكانهم أن يعلموا عنها قبل وقت طويل من أن يُبتلى بها ملايين البشر. فإذا ما بدئ العمل في وقت باكر فربما كان بمقدور علماء الوبائيات التدخل والتخفيف من انتشار الڤيروس. وڤيروس العوز المناعي البشري HIV ليس مفردا في أنه نشأ من مستودعات حيوانية، ذلك بأن أكثر من نصف إصابات البشر من أمراض مُعْدِيَة في الماضي وفي الحاضر نشأت في الحيوانات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الإنفلونزا والسارس (متلازمة الالتهاب التنفسي الوخيم) وحمى الضنك وإيبولا. أما في وقتنا الراهن، فإن الأواصر المتبادلة بين المجموعات السكانية البشرية من الأسفار عبرالطرقات البرية والخطوط الجوية تسمح للأمراض المُسْتَجِدَّة بالتحول وبوتيرة أسرع إلى جائحة، سواء منها ما ورد مباشرة من الحيوانات البرية ــ كما كان عليه الحال في ڤيروس العوز المناعي البشري HIV ــ أم ورد بطريق غير مباشر بعد أن عبر من الحيوانات البرية إلى الحيوانات الداجنة ثم إلى الإنسان، كما هو عليه الحال في ڤيروس التهاب الدماغ الياباني وبعض ذراري الإنفلونزا. واستجابة لهذه التهديدات، فقد طورتُ مع زملائي خطة جريئة جديدة لمراقبة الحيوانات البرية ومَنْ يتعامل معها بكثرة مِنَ الناس بحثا عن إشارات تدل على كائنات ميكروية (متعضيات دقيقة) جديدة أو تغيرات في فعّالية هذه الآفات. ونعتقد أن مثل هذا التنَصُّت قد يمدنا بالإنذار المبكر الضروري لإيقاف الجائحات قبل أن تبدأ.

 

خطر: قد تحمل الحيوانات البرية العوامل المسببة للمرض التي تستطيع القفز إلى البشر ــ وذلك بمثابة الخطوة الأولى صوب تحولها إلى قاتل رئيسي ــ ومن هنا فإن أي خطة جديدة لتفادي الجائحات تبدأ من هذه الحيوانات.

 

ڤيروسات تتسلل خلسة(**)

 

لقد تطورت رؤيتنا للترصد من أبحاث بدأنا بها منذ عشر سنوات، عندما شرعنا في دراسة الڤيروسات لدى القرويين في قُرى أرياف أفريقيا الوسطى في الكاميرون، والذين يصيدون ويذبحون الحيوانات البرية، كما يحتفظون بها لديهم كحيوانات أليفة. وكنا نحاول تعرف ما إذا كانت ذرارٍ جديدة من ڤيروس العوز المناعي البشري HIV في طريقها للدخول إلى المجموعات السكانية، وكان لدينا شك في أن هؤلاء الناس معرضون بشكل خاص لخطر العدوى.

 

ولفهم السبب الذي دعانا للتفكير بأن المجموعات السكانية في أفريقيا الوسطى معرضة للخطر, فعليك أن تتصور كيف يمضي صياد الطرائد يومه النمطي في الغابة، فهو لا يلبس سوى سروال قطني قصير، ويمشي حافي القدمين في طرق الغابة، يحمل على ظهره قردا ضخما من نوع الربّاح baboon يزن 50 رطلا. وها هو ينقل الحيوان عدة أميال، ولايزال المزيد من الطريق أمامه ليقطعه قبل أن يصل إلى قريته. وما إن يصل الصياد إلى قريته حتى يختلط الدم الذي يتدفق من فريسته مع عرق الصياد، فتتساقط القطرات على ساقيه، وتسيل داخل ما فيها من جروح مفتوحة، وعندها سيكون من الميسور لأي عامل مسبب للمرض في دم الرباح أن يجد طريقه إلى نسج الصياد وإلى دورته الدموية.

 

ولو كان الأمر بيَدِ الصياد، فقد يفضل تناول قطعة من لحم البقر أو الخنزير على لحم النسناس. إلا أن لحم البقر ولحم الخنزير يعز وجوده في هذه البقاع، ولذلك فلا يسعه إلا أن يعمل ما درج الناس على عمله في جميع أرجاء العالم وطيلة آلاف السنوات؛ بأن يصيد من الحيوانات المحلية، وهو في ذلك قد يشبه ما يفعله أصدقائي في نيوجرسي في مزارعهم خلال موسم صيد الغزلان، فيعدون حفلة الغداء السنوي من لحم الغزلان. وقد يتمثل الفرق الوحيد بين المشهدين أن الصيادين في أفريقيا الوسطى يعتمدون على ما يصيدون في تأمين الطعام الذي يضمن لهم ولأسرهم البقاء على قيد الحياة، كما أن فرائسهم من الرئيسات تنقل لهم في غالب الأحيان ما تحمله من ڤيروسات وأحياء ميكروية أكثر مما تنقله الغزلان، فتلك الفرائس أكثر قرابة للبشر من الغزلان.

 

ولم يكن من السهل إقناع القرويين بالتعاون معنا في هذا المشروع، فالكثير منهم خشي أن نستولي على مورد رزقهم، ولم يكن بمقدورنا أن نجمع البيانات إلا بعد أن كسبنا ثقتهم، وقد كان تعاونهم أمرا أساسيا؛ فإلى جانب أننا نحتاج إلى أخذ عينات من دمائهم لدراستها، وإلى إمطارهم بالأسئلة حول صحتهم وحول ما يقومون به من أنشطة الصيد، فإننا نحتاج أيضا إلى عينات من دماء طرائدهم. وقد اعتمدنا على أولئك القرويين في الحصول على تلك العينات؛ وذلك بإمدادهم بقطع من ورق الترشيح للحصول عليها.

 

وقد كشف التحليل الذي أجريناه على دماء الصيادين ودماء الصيد عن العديد من الڤيروسات الحيوانية التي لم تكن تُشاهَد من قبل لدى الإنسان. وهناك أحد العوامل المسببة للمرض، وقد أشارت إليه لأول مرة مقالة نشرت عام 2004 في مجلة لانست، وأطلق عليه اسم الڤيروس الرغوي القردي(1) SFV وهو ينتمي إلى أعضاء الأسرة ذاتها التي تنتمي إليها الڤيروسات التي يطلق عليها اسم الڤيروسات القهقرية، والتي تضم ڤيروس العوز المناعي البشري HIV. ويتوطن الڤيروس الرغوي القردي في معظم الرئيسات والتي تشمل قرود الغينون والماندريل والغوريلا، وكل نوع من هذه الرئيسات يؤوي ضربا خاصا به من العوامل المسببة للمرض يتسم بالتميز عما سواه من الناحية الجينية. وقد وجدنا أن الضروب الثلاثة للڤيروس جميعها قد دخلت مجموعة الصيادين، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن صيادا يبلغ من العمر 45 عاما انتقلت إليه العدوى بالڤيروس الرغوي القردي من الغوريلا، بعد أن أبلغ أنه اصطاد وذبح غوريلا، علما بأن الغوريلا ليست من الحيوانات التي يعتبرها الصيادون مصدر رزق لهم.

 

ومما كشفناه أيضا في تلك المجموعة السكانية ذاتها في أفريقيا الوسطى أن هناك أحد ضروب الڤيروسات القهقرية يعرف بالڤيروسات الأليفة للمفاويات التائية البشرية(2) HTLV's والتي أطلق عليها هذا الاسم بسبب ميلها إلى عدوى الخلايا المناعية التي يطلق عليها اسم اللمفاويات التائية(3). وقد اشتهر اثنان من هذه الڤيروسات وهما HTLV1 و HTLV2 بعدوى ملايين البشر في جميع أرجاء العالم، وبأنهما يسهمان في إحداث السرطان والأمراض العصبية في بعض المرضى المصابين بالعدوى. وهناك صنفان آخران هما HTLV3  و HTLV4 سبق أن قدمنا لهما وصفا في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية (PNAS)، وذكرنا أنهما جديدان في العلم. ونظرا للتشابه الشديد في الجينات بين الڤيروس HTLV3 وما يقابله لدى القرود والذي يدعى بالڤيروس الأليف للمفاويات التائية القردية STLV3 يبدو أن الڤيروس HTLV3 قد تم التقاطه أثناء اصطياد القرود المصابة بالعدوى بالڤيروس STLV3. إلا أن منشأ الڤيروس HTLV4 بقي غامضا، وربما يكون من الممكن أن نجد له سلفا في الرئيسات إذا واصلنا الاستقصاء عن هذه الڤيروسات لدى القردة. وحتى يومنا هذا لا نعرف ما إذا كان الڤيروس الرغوي القردي أو الڤيروسات الجديدة الأليفة لليمفاويات البشرية تسبب الأمراض لدى الناس. فالڤيروسات لا تؤدي بالضرورة إلى إصابة الناس بالأمراض، وتلك التي تسبب المرض للناس وكذلك تنتقل من شخص لآخر لا تؤدي بالضرورة إلى إحداث الجائحات، فهي تنحسر في غالب الأحيان تلقائيا. ولكن انتماء الڤيروس الرغوي البشري والڤيروس الأليف لليمفاويات البشرية إلى نفس العائلة التي ينتمي إليها ڤيروس العوز المناعي البشري HIV الذي أدى إلى اجتياح وباء عالمي، هو حقيقة تعني أنه ينبغي على علماء الوبائيات أن يترقبوها عن كثب.

 

 

 

[قرينة]

الأمراض المُعْدِيَة المنتقلة من الحيوانات البرية(***)

يعتقد أن الكثير من الأمراض المُعْدِيَة الرئيسية للبشر قد أتت من الحيوانات البرية. وتعزز هذه الحقيقة من أهمية الحاجة إلى مراقبة الكائنات الميكروية في الحيوانات البرية إلى جانب مراقبتها لدى حيوانات المزارع. ويسجل الجدول المرافق 10 من هذه الأمراض إلى جانب الحيوانات التي يغلب أن تكون قد انبثقت منها.

المصدر

المرض 

الشمبانزي

الإيدز

القرود

التهاب الكبد B

الطيور البرية

الإنفلونزا A

القوارض

الطاعون

الرئيسات في العالم القديم

حمى الضنك

المجترات البرية والأليفة

مرض النوم في شرق أفريقيا

المكاك الآسيوي

الملاريا النشيطة (vivax)

المجترات البرية والأليفة

مرض النوم في غرب أفريقيا

الرئيسات في أفريقيا

الحمى الصفراء

الكثير من الحيوانات الأليفة والبرية

داء شاغاس

 

 

وقد أوضحتُ مع زملائي أن هناك خمس مراحل يمر بها العامل المسبب للمرض في الحيوانات ليصير عاملا مسببا للمرض في الإنسان. ففي المرحلة (1) لا يعيش العامل المسبب للمرض إلا في الحيوانات، وفي المرحلة (2) لا يستطيع الانتقال إلى إنسان ما إلا من الحيوان، وفي المرحلة (3) ينتقل العامل المسبب للمرض من الحيوان إلى الإنسان بشكل رئيسي، ولكنه يستطيع الانتشار بين البشر أيضا لفترة وجيزة قبل أن يتلاشى، فإذا ما وصل العامل المسبب للمرض إلى المرحلة 4 فإنه يستطيع الاستمرار في فاشيات تحدث بين البشر، ومع مرور الوقت فإنه ينتقل إلى المرحلة 5 التي يقتصر فيها على إحداث المرض لدى الإنسان ولا يستخدم بعد ذلك مضيفا من الحيوانات. ويمكن للعوامل المسببة للمرض في المرحلتين 4 و 5 أن تؤدي إلى وفاة أعداد بالغة الكبر من البشر.

 

 

[مراحل المراقبة]

من كائن ميكروي في الحيوانات إلى عامل

 مسبب للمرض في البشر(****)

إن عملية تطور عامل مسبب للمرض لدى الحيوانات إلى عامل يقتصر على إحداث المرض لدى البشر تقطع خمس مراحل. وقد يعلق ذلك العامل في إحدى تلك المراحل فلا يبارحها. وتكون العوامل في مراحلها الأولى شديدة الفتك (مثل الإيبولا)، إلا أنها لا تزهق في مجمل الأمر سوى العدد القليل من الأرواح، لأنها لا تستطيع الانتشار بحرية بين البشر. وكلما ازدادت قدرة الڤيروس على التكاثر في البشر زاد احتمال تحوله إلى جائحة.

 

التنبؤ بالجائحة التالية(*****)

 

لو كنا نراقب الصيادين قبل 30 عاما لكان بمقدورنا الإمساك بتلابيب ڤيروس العوز المناعي البشري، قبل أن يصل إلى مرحلة الجائحة. ولكن الوقت قد فات، والسؤال اليوم هو كيف يمكننا أن نتقي الأمراض القاتلة التالية؟ وبمجرد أن قررت مع زملائي أن بإمكاننا دراسة المجموعات السكانية دراسة فعالة، فإننا كنا نعرف أننا نستطيع توسيع رقعة عملنا لنستمع إلى الثرثرة الڤيروسية ــ بمعنى أنماط انتقال الڤيروسات الحيوانية إلى البشر. ومن خلال الترصد العالمي فإننا قد نتمكن من إطلاق صفارة الإنذار بظهور مرض مُعد مُسْتَجِدّ قبل أن يستفحل.

 

وقد تمكنـــا لحسن الحــظ بــالشراكــة مـــع شركة گوگل google.org ومؤسسة سكول Skoll Foundation من إطلاق المبادرة العالمية للتكهن بالڤيروسات GVFI وهي برنامج يتعاون فيه علماء الوبائيات  مع العاملين في الصحة العمومية وعلماء الحفاظ على البيئة في تعاون عالمي لتعرف العوامل المسببة للمرض في مواطن نشأتها ولمراقبتها وهي نتقل من الحيوانات إلى البشر ثم تنتشر بعيدا من هناك. وبدلا من التركيز الضيق النطاق على الڤيروسات دون غيرها أو على مرض معين يستأثر بالاهتمام في أيامنا هذه، فإن المبادرة العالمية للتكهن بالڤيروسات GVFI تعمل على توثيق الطيف الكامل للڤيروسات والجراثيم والطفيليات بينما تعبر من الحيوانات إلى البشر.

 

 

طريق باتجاهين(******)

لا يقتصر قفز العوامل المسببة للمرض من الحيوانات إلى البشر، إذ إنها تستطيع أيضا الانتقال في الاتجاه المقابل. ومن الأمثلة على الأمراض المُعْدِيَة التي ينقلها الناس إلى الحيوانات، ويواصلون نقلها إليهم:

 السل (للماشية)

 الحمى الصفراء (للقرود في أمريكا الجنوبية)

 الحصبة (للغوريلا الجبلية)

 شلل الأطفال (للشمبانزي)

 


 

ومع أن الجهود لاتزال في بداياتها، فإن المبادرة العالمية للتكهن بالڤيروسات GVFI تضم اليوم مئة من العلماء الذين يتابعون المجموعات الخافرة أو الحيوانات في كل من الكاميرون والصين وجمهورية الكونغو الديموقراطية ولاوس ومدغشقر وماليزيا، وجميعها من المواقع الساخنة للأمراض المُعْدِيَة المنبثقة، والكثير من المجموعات الخافرة من الصيادين، إلا أننا تحرينا مجموعات سكانية أخرى من المتعرضين لاختطار مرتفع للإصابة بالأمراض التي تصيبهم من الحيوانات البرية، مثل الأفراد الذين يعملون في «أسواق آسيا المبللة»(4)، حيث تباع فيها الحيوانات الحية كطعام.

 

 

[مقترح للوقاية]

بناء شبكة للترصد(*******)

قد يتمكن العلماء من تعرف مواقع مرض معد مُسْتَجِدّ قبل أن ينتشر على نطاق واسع بمراقبة الكائنات الميكروية في الحيوانات البرية وفي الناس الذين يتكرر تعرضهم لهذه الحيوانات. ولبلوغ تلك الغاية نظم المؤلف المبادرة العالمية للتنبؤ بالڤيروسات GVFI، وهي شبكة تضم 100 من العلماء والموظفين في الصحة العمومية في ستة بلدان (النقاط الحمراء والبرتقالية)، وهم يعملون على اقتفاء العوامل التي قد تكون خطيرة وهي تتنقل من الحيوانات إلى المجموعات السكانية من البشر. وتركز المبادرة العالمية للتنبؤ بالڤيروسات GVFI على المناطق المدارية (الأخضر) بشكل خاص، لأنها مهد لطيف واسع التنوع من الأنواع الحيوانية، ولأن البشر فيها يكونون على اتصال معها أثناء الصيد والقيام بالأنشطة الأخرى. وتأمل المبادرة العالمية للتكهن بالڤيروسات GVFI أن توسع رقعة الشبكة لتشمل المزيد من البلدان التي يكون للتنوع البيولوجي فيها مستويات رفيعة، وبعض هذه البلدان موضح في الخريطة (الأصفر).

1-البلد: الصين
الڤيروسات التي نشأت سابقا: سارس و H5N1
المجموعة الخافرة: العاملون في سوق بيع الحيوانات الحية
 

2-البلد: ماليزيا
الڤيروسات التي نشأت سابقا: نيباه
المجموعات الخافرة: صيادو الحيوانات البرية


3-البلد: الكاميرون
الڤيروسات التي نشأت سابقا: ڤيروس العوز المناعي البشري HIV
المجموعة الخافرة التي تخضع للدراسة بحثا عن عوامwqل مسببة للمرض: صيادو وجزارو الحيوانات البرية
 

4-البلد: جمهورية الكونغو الديموقراطية
الڤيروسات التي نشأت سابقا: ماربورغ، وإيبولا
المجموعة الخافرة: صيادو وجزارو الحيوانات البرية


 

إلا أن اكتشاف أحد الكائنات الميكروية الجديدة لدى أحد الصيادين ليس إلا خطوة أولى في تعقب عامل مسبب للمرض. وينبغي علينا في ذلك الوقت أن نحدد ما إذا كان هذا الكائن الميكروي يسبب المرض، وما إذا كان يستطيع الانتقال من شخص لآخر، وما إذا كان قد اخترق المراكز الحضرية، حيث تسهم الكثافة المرتفعة في انتشاره بسرعة. إن ظهور الكائن الميكروي في مركز حضري بعيدا عن مصدر نشأته الأصلي سيكون علامة تثير القلق بشكل خاص من احتمال قدوم الجائحة.

 

 

اتخاذ الإجراءات(********)

إذا وجد الباحثون علامات تدل على أن العوامل المسببة للأمراض المُسْتَجِدَّة تنتشر لتتجاوز من كان على اتصال مباشر مع الحيوانات لتصل إلى صميم المجموعات السكانية، فإنهم سيطلقون صفارات الإنذار. وستكون وقاية إمدادات الدم خطوة مهمة لاتقاء الجائحة. وسيتطلب هذا الإجراء إعداد وتشغيل اختبار تشخيصي لكشف العامل المسبب للمرض.

 

وفي حالة الڤيروسات الأليفة لليمفاويات التائية البشرية HLTV3 و HLTV4، فقد بدأنا الدراسة على المجموعات السكانية المعرضة لاختطار مرتفع في المدن قرب المناطق الساخنة بحثا عن حالات العدوى المنبثقة بإجراء اختبارات منتظمة لكشف هذه الڤيروسات. ومن المجموعات السكانية التي يمكن أن تصاب بالعدوى باكرا الأفراد المصابون بداء الخلايا المنجلية والذين يتلقون المعالجة بنقل الدم المنتظم. فإذا وجدنا من هؤلاء المرضى من هو مصاب بالعدوى بادرنا إلى رصد إمدادات الدم في جميع أرجاء العالم لوقاية من يتلقى الدم. ولتحقيق ذلك نواصل العمل مع المتعاونين معنا على المدى الطويل، وهم < B. سويتزر> وزملاؤنا الآخرون في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة الأمريكية، لتطوير اختبارات تشخيصية جديدة لكشف وجود الڤيروسات في إمدادات الدم. ومن الأولويات الملحة الأخرى تعرف نمط سراية العامل المسبب للعدوى، فذلك سيغني الوسائل التكتيكية بالمعلومات التي تستهدف إعاقة انتشار العدوى. فبفرض أن أحد العوامل المسببة للمرض ينتقل عن طريق الممارسة الجنسية على سبيل المثال، فإن بمقدور العاملين في الصحة العمومية إطلاق حملات توعية تحث الناس على استخدام العوازل الذكرية، ضمن غيرها من الاحتياطات.

 

ويمكن للحكومات أيضا أن تتخذ الإجراءات للحيلولة دون دخول الڤيروسات الجديدة إلى بنوك الدم في المقام الأول. وفي الواقع فإنه بعد اكتشافنا العلاقة بين التعرض للرئيسات وهذه الڤيروسات الجديدة، عدلت الحكومة الكندية من سياسات التبرع بالدم لديها لتستبعد المتبرعين الذين كانوا على اتصال مباشر مع الرئيسات من غير البشر.

 

 

 

التهديد القادم من الحيوانات الأليفة(*********)

لا تقتصر المصادر المحتملة للجائحة التالية على الحيوانات البرية وحيوانات المزارع، فإن فيلو وفلافي وغيرهما من الحيوانات الأليفة الأخرى قد تؤوي عوامل مسببة لأمراض فتاكة بالإنسان. ومصدر هذه الإمكانية ينشأ عندما تتعرض الحيوانات الأليفة للاتصال مع حيوانات برية حاملة للعوامل المسببة لتلك الأمراض. فالعوامل المسببة للأمراض تستطيع الانتقال إلى الحيوانات الأليفة التي تنقلها بدورها إلى أصحابها.

 

 

إضافة إلى ما نبذله من جهود في التكهن، فإن علم اتقاء الجائحات الجديد يتضمن بعض البرامج مثــل راسمــات الخــرائـــــط الصحيــــة HealthMap وProMED. وتجمع هذه البرامج كل يوم التقارير حول الفاشيات من جميع أرجاء العالم، إلى جانب أحدث النظم السيبيرية (الإنترنت) للتحذير والتي تحتل موقع الريادة فيها Google.org بغية استخدامها كأنماط من البيانات في محركات البحث للحصول على تكهن صحيح بالإنفلونزا. وبالمثل، فإن الترصد الوطني والدولي، ونُظم استجابة الحكومات المحلية ومنظمة الصحة العالمية سيؤديان دورا مهما في إيقاف الوباء التالي.

 

أما ما يتعلق بالدور الذي نضطلع بالقيام به، فإننا نود في نهاية المطاف توسيع ما لدينا اليوم من شبكة الترصد لتغطي المزيد من البلدان في سائر أنحاء العالم، ولتشمل بلدانا مثل البرازيل وأندونيسيا اللتين تتمتعان بتنوع هائل في أنواع الحيوانات التي يمكنها نقل العوامل المسببة للمرض إلى البشر. أما الوصول بتطوير المبادرة العالمية للتكهن بالڤيروسات GVFI إلى حد الكمال فسيكون باهظ التكاليف، إذ إن تشييد شبكتنا بحيث يكون لدينا عدد كافٍ من العاملين ومرافق المختبرات لإجراء الاختبارات على المجموعات الخافرة كل ستة شهور وإجراء الاختبارات على الحيوانات التي يعيش الناس على اتصال مباشر معها، سيكلفنا 30 مليون دولار أمريكي، كما أن المحافظة عليها وهي تعمل كل عام ستكلفنا 10 ملايين أخرى من الدولارات. ولكنها إن نجحت في تفادي جائحة واحدة خلال السنوات الخمسين القادمة، فذلك سيكون أكثر قيمة من الإنفاق على تكاليفها، بل إن مجرد تخفيفها لآثار ذلك الحدث سيبرر إنفاق تلك التكاليف.

 

يعمل البشر على التكهن بطائفة متنوعة من التهديدات الطبيعية الشديدة التعقيد. ومن النادر أن نثير التساؤل حول المنطق الكامن وراء محاولة توقع الأعاصير والتسونامي والزلازل والبراكين. إلا أننا في الواقع نفتقد السبب الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن توقع الجائحات أكثر صعوبة من حيث المبدأ من توقع التسونامي. وإذا أخذنا بالحسبان ما يتطلبه إيقاف الجائحات بعد أن تتوطد من أموال طائلة، فيبدو لنا أنه من المنطقي صرف قسم من الدولارات المخصصة للصحة العمومية على إيقافها منذ البداية. فمبدأ درهم وقاية خير من قنطار علاج لم يكن قط أكثر منطقية من الآن.                  

 


المؤلف

 

         Nathan Wolfe

 هو أستاذ زائر بقسم البيولوجيا البشرية لـ<I.L.لوكي> في جامعة ستانفورد، ومدير المبادرة العالمية للتكهن بالڤيروسات GVFI. حصل على الدكتوراه في المناعيات والأمراض المُعْدِيَة من جامعة هارفارد عام 1998. وحاز جائزة المدير الرائد من المعاهد الوطنية للصحة وجائزة المستكشف المستجد للجمعية الجغرافية الوطنية. وله حاليا عدة أبحاث ومشاريع في الصحة العمومية في 11 بلدا في أفريقيا وآسيا.


 مراجع للاستزادة 

 

Naturally Acquired Simian Retrovirus Infections in Central African Hunters. Nathan D. Wolfe et al. in Lancet, Vol. 363, No. 9413, pages 932-937; March 20, 2004.

 

Emergence of Unique Primate T-Lymphotropic Viruses among Central African Bushmeat Hunters. Nathan D. Wolfe et al. in Proceedings of the National Academy of Sciences USA, Vol. 102,  No. 22, pages 7994-7999; May 31, 2005.

 

Bushmeat Hunting, Deforestation, and Prediction of Zoonotic Disease Emergence. Nathan D. Wolfe et al. in Emerging Infectious Diseases, Vol. 11, pages 1822-1827; December 2005.

 

Origins of Major Human Infectious Diseases. Nathan D. Wolfe, Claire Panosian Dunavan and Jared Diamond in Nature, Vol. 447 pages 279-283; May 17, 2007.

 

The Global Viral Forecasting Initiative Web site: www.gvfi.org

 


(*) PREVENTING THE NEXT PANDEMIC

(**) Stalking Viruses

(***) Infectious Diseases from Wild Animals

(****) From Animal Microbe to Human Pathogen

(*****) Forecasting the Next Pandemic

(******) TWO-WAY STREET

(*******)  Building a Surveillance Network

(********) TAKING ACTION

(*********) THE THREAT FROM PETS

 

 


(1) simian foamy virus

(2) human T lymphotropic viruses

(3) T lymphoeytes

(4) wet markets أسواق موجودة في شرق آسيا يباع فيها الطعام من اللحوم الطازجة والحيوانات الحية وقد أطلق عليها هذا الاسم لأن الأرض فيها تغمر بالمياه للتخلص من فضلات الحيوانات ودمائها ومخلفاتها.

 

HyperLink