Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink يوليو - أغسطس1996 / المجلد 12 HyperLink

  New Page 1

 

مستقبل الترانزستور(*)

لم يعد المهندسون يأبهون بالحواجز النظرية لما يمكن أن يصبح

عليه الترانزستور بعد أن غدا أصغر وأرخص يوما بعد يوم.

<W.R. كيز>

 

تمت كتابة هذه المقالة على حاسوب يحتوي على بضعة عشر مليونا من الترانزستورات، وهو عدد مذهل لمواد مصنعة يمكن أن يمتلكها شخص واحد. ومع ذلك فإن تكلفة هذه الترانزستورات أقل من تكلفة القرص الصلب أو لوحة المفاتيح أو الشاشة أو الخزانة. وعلى النقيض، فإن تكلفة عشرة ملايين مشبك ورقي صغير تعادل تكلفة حاسوب بأكمله. لقد أصبحت الترانزستورات رخيصة بهذا القدر لأن المهندسين خلال الأربعين سنة الماضية تعلّموا حفر وطبع etch المزيد من هذه الترانزستورات على رقاقة مفردة من السليكون، لذا فإن تكلفة تصنيع مرحلةٍ ما يمكن أن تتوزع على عدد متزايد من الوحدات.

 

جعلت النمنمة الترانزستور أرخص من المشبك الورقي، إذ إن التكلفة تتوزع على ملايين الأدوات devices، التي تكون بدورها على مئات من الشيپات وكل ذلك على رقاقة واحدة. يمسك هذا العامل رقاقة شبه مكتملة ستوصل مركباتها بتكثيف المعدن في حجيرة مفرغة.

 

إلى متى يمكن لهذا النهج أن يستمر؟. لقد أعلن العلماء وخبراء الصناعة مرات عديدة، في الماضي، أن هناك حدا فيزيائيا لا يمكن بعده للنمنمة miniaturization أن تستمر. فكم من مرة أربكتهم الحقائق التي بينت تعذر تحديد كميات الترانزستورات التي يمكن تصنيعها على السليكون والتي زادت مئة مليون مرة في الخمس والأربعين سنة منذ اختراع الترانزستور [انظر ما هو مؤطر في الصفحة 78].

 

ليس لدي جواب أكيد عن التساؤل حول الحدود الممكنة للنمنمة؛ إلا أن لدي بعض الأفكار عن كيفية تطور إلكترونيات الحالة الصلبة والعلم الذي تحتاج إليه لدعم استمرارية هذا التطور.

 

تبرز عدة أنواع من المحددات الفيزيائية إذا ما استمر حجم الترانزستور بالانكماش. فقد تصبح عملية توصيل العناصر الدقيقة بعضها ببعض، على سبيل المثال، غير ممكنة. إن استمرار تصغير حجم الدارة (الدائرة) يعني أيضا أن على الباحثين التعامل مع مجالات (حقول) كهربائية أكبر فأكبر بما يمكن أن يؤثر في حركة الإلكترونات بعدة طرق. وفي المستقبل غير البعيد قد لا تمتد أبعاد الترانزستور إلى أكثر من مئات الأنگسترومات. وعند ذلك سيصبح وجود أو غياب ذرات مفردة ـ إضافة إلى سلوكها ـ أمرا مهما. إن تصغير الحجم يؤدي إلى زيادة كثافة الترانزستورات على الشيپة chip، وبالتالي إلى زيادة كمية الحرارة الواجب تبديدها. فشيپة اليوم تنتج نحو عشرة أمثال كمية الحرارة التي يصدرها سطح موقد مطبخ ذي مساحة مماثلة. ومن الممكن أن يرتفع هذا الدفق الحراري إلى عشرة أضعاف على الأقل من دون أن يتجاوز سعة التبريد للتصاميم المعروفة. وعندما تنقص أبعاد عناصر الدارة إلى أقل من طول موجة الإشعاعات المتداولة، تصل طرق التصنيع الحالية إلى حدودها.

 

ولمعرفة سبب نشوء مثل هذه المشكلات وطرق معالجتها، من المفيد أن نستعرض عمل الترانزستور ذي الأثر (المفعول) المجالي (الحقلي) field-effect transistorF.E.T ، وهو الأداة الطيعة المستخدمة في معالجة البيانات (المعطيات) الحديثة. فالحواسيب الرقمية تعالج تعابير موضوعة بكود ثنائي مكون من واحدات وأصفار. ويعمل الترانزستور ذو الأثر المجالي كحاكمة relay "تقفل" أو "تفتح". وتمثل هذه الأداة device وحدة ثنائية واحدة من المعلومات: بتة bit. ففي المنظومات ذات المقاييس الكبيرة تتحكم إشارات الدخل في الترانزستورات مكونة وصلات تنتج إشارات على أسلاك الخرج التي تحملها بدورها إلى مفاتيح أخرى تُنتجُ مخارج تُرسل ثانية إلى مرحلة أخرى. إن الوصلات داخل الحاسوب والطريقة التي تُحدِّدُ بها إشارات الدخل إشارة الخرج، تمثلان معا تعبيرا منطقيا. وتحدد سلسلة من هذه التعابير بدورها كلمة في وثيقة أو مدخلا في جدول.

 

يحتوي الترانزستور ذو الأثر المجالي على قناة تتفاعل مع ثلاثة مسارٍ (أقطاب) electrodes: منبع source يغذي القناة بالإلكترونات؛ ومصرف drain يستقبلها عند الجهة الأخرى؛ وبوابةgate تؤثر في موصلية (ناقلية) القناة [انظر الشكل في الصفحة التالية]. يحتوي كل جزء على ذرات شائبة impurity atoms مختلفة، وهي إشابات متعمدة dopants تعدل الخواص الكهربائية للسليكون.

 

توصل البوابةُ الترانزستورَ عندما تقوم ڤلطية (توتر ـ جهد) موجبة مطبقة عليها بجذب الإلكترونات إلى السطح البيني بين شبه الموصل وعازل البوابة. وتؤمن هذه الإلكترونات وصلةً بين مسريي المنبع والمصرف تسمح بمرور التيار بينهما. عند هذه النقطة يكون الترانزستور بحالة وصل on، وتكون الوصلة مستمرة مادامت الشحنة الموجبة مطبقة على البوابة. تُطبق على البوابة إشارة دخل لتحدد بذلك إذا ما كانت الوصلة بين المنبع والبوابة قائمة أم لا. فإذا نتج من ذلك عملية وصل، يصبح الخرج موصلا إلى كمون الأرض ground potential. وتمثل هذه الحالة إحدى الڤلطيتين الرقميتين القياسيتين. وإذا لم تنتج عملية وصل، عندها يكون الخرج موصولا عبر المقاومة إلى مغذي الطاقة power supply الموجب. وتمثل هذه الحالة الڤلطية الرقمية القياسية الأخرى.

 

يجب أن تكون دارات الترانزستورات في معزل عن عمليات الصفيفات arrays المجاورة. وعلى المفاهيم الحالية للعزل والممانعة والخواص الكهربائية الأساسية لأشباه الموصلات ووصلاتها أن تعمل معا بصورة جيدة وكافية لأهداف مصمم أدوات الجيل القادم. فالآثار الكمومية، كمروق tunneling الإلكترون ، تهدد بخلق مشكلات (تقنية) عندما تقترب المساحات الموصلة (الناقلة) بعضها من بعض إلى نحو يقارب المئة أنگستروم فقط. وقد قارب الباحثون هذا الحد وهو نحو 30 أنگستروم على المستوى المختبري. أما على المستوى التجاري فربما يمر عقد قبل الوصول إلى ذلك.

 

وهناك تحد آخر، يتمثل في تزايد شدة المجال الكهربائي المواكب لعملية النمنمة. وهذا ما يقيد تصميم أدوات أشباه الموصلات بخلقه تعارضا أساسيا؛ إذ إن المجالات الكهربائية تصبح أشد قوة عندما تتقلص مسارات الإلكترون، في حين أن على الڤلطيات أن تبقى فوق الحد الأدنى المطلوب للتغلب على الطاقة الحرارية للإلكترونات. فالڤلطية الحرارية للسليكون عند درجة حرارة العمل العادية هي 0.026 إلكترون ڤلط. لذلك فعندما يتم تغيير حالة شبه الموصل ليمنع مرور الإلكترونات، يجب على حاجزه الكهربائي أن يتغير أكثر بعدة مرات. ويمكننا أن نخفف المشكلة الحرارية بتبريد الشيپة (وهو اقتراح مكلف بلا شك).

 

وحتى التبريد لا ينهي مشكلة المجال الكهربائي، إذ يجب أن يكون للإشارات حدّ أدنى من الڤلطية المميزة والخاصة بالوصلة شبه الموصلة. فتبعا لدرجة إشابة السليكون، تتراوح ڤلطية هذا الحاجز الكهربائي من نصف ڤلط إلى ڤلط واحد. وهذه الڤلطية الصغيرة المطبقة على مسافة قصيرة جدا، تكفي لخلق مجال كهربائي قوي جدا. تكتسب الإلكترونات عند مرورها عبر هذا المجال طاقة كبيرة قد تؤدي إلى نشوء أزواج من الإلكترونات ـ الثقوب، المتسارعة أيضا، وبالتالي إلى تفاعل تسلسلي. قد يسبب هذا التفاعل انهيارا متتاليا avalanche وارتفاعا حادا للتيار ومن ثم إلى عطب في الدارة. يبدأ الانهيار عندما يزيد المجال على 500000 ڤلط/سنتيمتر مقارنة بنحو 400000 ڤلط/سنتيمتر في الشيپات الحالية.

 

إن الترانزستور ذا الأثر المجالي (FET)، الأداة الطيّعة لمعالجة البيانات (المعطيات)، بني كشطيرة ذات طبقات سليكونية مختلفة الإشابة تحوي قناة ومنبعا ومصرفا وبوابة معزولة. عندما تطبق ڤلطية (جهد) موجبة على البوابة، تتحرك الإلكترونات قرب المادة العازلة مشكلة وصلة سفلية تسمح بمرور تيار من المنبع إلى المصرف بحيث يوصل الترانزستور.

 

يلجأ العاملون إلى مختلف الحيل العلمية لتخفيف أثر المجالات الكهربائية القوية. وعلى سبيل المثال، فقد تم تصميم ترانزستورات ذات أثر مجالي، ركز المصممون مجالها الكهربائي في مواضع معينة فيها بما لا يعطل الوظائف الإلكترونية الأخرى. وهذه الحيلة هي واحدة من كثير تفضي جميعها إلى التوفيق ما بين الصفات المطلوبة الأخرى مثل بساطة التصميم وسهولة الصنع والوثوقية والحياة العملية الطويلة.

 

تزيد النمنمة الحرارة المنطلقة من كل سنتيمتر مربع من السليكون. ومرد ذلك ببساطة هو الأبعاد الهندسية: فمن خلال النمنمة، ستقل مسارات (أطوال) الدارات الكهربائية ومفاقيد الطاقة الحرارية المرافقة في بعد واحد. في حين أن مساحة الشيپة ستتقلص في بعدين. أي إنه عندما تغدو الدارات أصغر، فإن الحرارة المولدة من وحدة واحدة ستقل وإن كان على نحو أبطأ من تناقص عدد الوحدات (المركبة) في كل سنتيمتر مربع.

 

تشع الأدوات الآن ما يوازي ثلاثين واط من الطاقة الحرارية لكل سنتيمتر مربع، وهذا متوقع أن يصدر عن مادة مسخنة إلى نحو 1200 درجة سيلزية. ولايسمح بالطبع للشيپة بأن تصل إلى درجة حرارة مماثلة، لذا تعمل نظم التبريد على تبديد الحرارة بسرعة حينما تتولد. ولم تستنفد بعد تقانات التبريد القائمة حاليا والتي يمكن أن تبدد الطاقة بصورة أسرع عدة مرات مما هو مطلوب حاليا.

 

تفرض متطلبات التصنيع قيودا على أداء الأدوات الإلكترونية قد لا تبدو جلية من خلال المناقشة النظرية الصرفة. يؤدي التصنيع القليل التكلفة، بحكم الضرورة، إلى تباين ضئيل بين الأدوات المصنعة على كل رقاقة كما هي الحال أيضا بين تلك المصنعة على رقاقات مختلفة. ولا يمكن استبعاد مثل هذا التباين الملازم لطريقة صنع أدوات الحالة الصلبة.

 

إن تصنيع مادة شبه موصلة كالسليكون، على شكل ترانزستور خلال عملية متكاملة، يشتمل على عدة خطوات. تطبق القوالب، المسماة بالأقنعةmasks ، على السليكون لتعريض المساحات المرغوبة للضوء. ثم تجرى عمليات مختلفة تتضمن الانتثار diffusion الكيميائي والإشعاع والإشابة و الرش sputtering أو ترسيب معدن على هذه المساحات. وفي بعض الأحيان يتم خلال العمليات إضافة وسائل أو إنشاء دعائم لاستخدامها في خطوات لاحقة ثم إزالتها فيما بعد. وأثناء ذلك تدمج أدوات أخرى مثل المقاومات والمكثفات والموصلات (النواقل) اللازمة لتوصيل الترانزستورات.

 

يبرز التباين الآنف الذكر عند كل خطوة من هذه الخطوات، فعلى سبيل المثال، يكون التركيز المثالي لمصدر الإشعاع على رقاقة كبيرة صعب التحقيق، كما يمكن أن تتغير درجة حرارة الرقاقة قليلا من مكان لآخر أثناء خطوات المعالجة مما يسبب اختلافا في معدل التفاعلات الكيميائية. ومزج الغازات في غرفة التفاعل قد لا يتم بصورة مثالية. ولأسباب عدة لا تكون خواص الأدوات في رقاقة ما، أو في رقاقات مختلفة، متطابقة. وفي الحقيقة فإن بعض الأدوات على رقاقة قد لا تكون صالحة على الإطلاق. إن نسبة مثل هذه الأخطاء، التي لا يمكن إصلاحها، تضع حدا عمليا لحجم الدارة المتكاملة.

 

يلازم عملية التعريض exposure الضوئي نوع من الضبابية fuzziness المحدودة. إذ ينعرج الضوء المستخدم في الليثوغرافيا الضوئية عندما يمر خلال ثقوب القوالب. ويمكن الإقلال من هذا الانعراج باللجوء إلى أطوال أمواج أقصر.

 

عندما استنبطت الليثوغرافيا الضوئية في بداية السبعينات، كان الضوء الأبيض مستخدما، وتحول العاملون بعد ذلك إلى الضوء الليزري الوحيد اللون متجهين إلى الطيف العلوي حتى منتصف الثمانينات، وصولا إلى أطوال الأمواج فوق البنفسجية (المافوسجية). تحفر الآن معظم الشيپات التجارية المتقدمة بالضوء فوق البنفسجي العميق، وهي عملية صعبة، نظرا لتعذر صنع ليزرات خرج عند هذا الحيز. وقد يتطلب الجيل القادم من الأدوات استخدام الأشعة السينية. وفي الحقيقة يتطلب كل جيل من الدارات أجهزة تصنيع ذات كلف جديدة.

 

وتزيد مشكلات أخرى من تكلفة تصنيع الشيپة. فالتحكم الميكانيكي في توضع الرقاقات يجب أن يكون أكثر دقة. ويجب أن تصبح "الغرف النظيفة" والحجيرات أكثر نظافة لاستبعاد أي ذرات غبارية دقيقة قد تتلف الدارة. كما أن إجراءات فحص الجودة يجب أن تكون أكثر إتقانا، نظرا لتزايد عدد العيوب الممكنة في الشيپة.

 

يبدو، للوهلة الأولى، بأن النمنمة تتعامل مع طول الأداة وعرضها فقط، إلا أن السماكة أيضا لها أهميتها. ويمكن في بعض الأحيان أن يكون البعد الثالث ملاذا قيما، كأن يعمد المهندسون إلى غرس مكثفات في حافة الشيپة حفاظا على مساحة ما على السطح. وفي حالات أخرى يكون البعد الثالث معيقا للتصميم. ويجب على مصممي الشيپات أن يراعوا النسبة الباعية aspect ratio، وهي علاقة العمق بمساحة السطح. فالأداة تشابه الشطيرة. وإذا ما تضاعفت طبقاتها بكثرة فإن عملية الحفر قد تؤدي إلى قطع الجزء السفلي من الهيكل قبل إتمامه. إن مثل هذه المعيقات تجبر العاملين على الوصول إلى تحكم أشد صرامة في سماكة الأفلام وفي نفوذ الشوائب إلى داخل المادة شبه الموصلة. وفي مستويات التحكم الحالية يمكن إجراء عشرين عملية توضيع للطبقات ـ تسمى خطوات القناع mask steps.

 

تقوم الدارة الثنائية الاستقرار بوظيفة الترانزستور وذلك باستغلال الآثار غير الخطية. توضع أداة مثل الديود النفقي عند وصلة مسريين (قطبين) رئيسيين وآخر ثانوي (في الأعلى). عندما يحقن المسرى الثانوي تيارا إضافيا تنتقل الدارة من حالة مستقرة إلى أخرى (في الأسفل). تعتبر مثل هذه الأدوات غير عملية لأنها لا تسمح بتغييرات كبيرة في شدة الإشارة.

 

ولا تصلح العلاقات المستخدمة في تصميم أدوات كبيرة للترانزستورات الصغيرة التي تصنع في المختبرات هذه الأيام؛ إذ يحتاج المصممون الى أن يضعوا في الحسبان الظواهر الدخيلة الجديدة التي تبدو على مثل هذه الأدوات المتناهية الصغر. ونظرا لأن التأثيرات لا يمكن أن تعالج بدقة بطرق تحليلية بحتة، يلجأ المصممون إلى الاستعانة بنماذج حاسوبية لمحاكاة حركة الإلكترونات في الأداة.

 

يتتبع الحاسوب الإلكترون المفرد عبر الأداة متعقبا أثر موضعه بخطوات صغيرة مع تزايد الزمن. وتستخدم النظريات الفيزيائية والمعلومات التجريبية لحساب احتمال الحوادث المختلفة الممكنة. يستخدم الحاسوب جدول الاحتمالات المخزَّن في ذاكرته ومولِّد أعداد عشوائية لمحاكاة ظهور هذه الحوادث. فعلى سبيل المثال، يتسارع الإلكترون بوساطة مجال كهربائي وقد يغير اتجاه حركته بالتصادم مع شائبة. وبجمع النتائج من آلاف الإلكترونات، التي تم تمثيلها بهذه الطريقة، يمكن الحصول على استجابة الأداة.

 

نأخذ بعين الاعتبار ما يظن أنه سؤال بسيط عن كيفية تمثيل حركة الإلكترون في مجال كهربائي: فعندما تكون المسارات طويلة نسبيا يتسارع الإلكترون حتى نقاط تصادم تنتزع منه طاقته بالسرعة نفسها التي يزوده المجال الكهربائي عندها بطاقة جديدة؛ لذا فإن الجسيم يحافظ معظم الوقت على سرعة ثابتة يمكن تمثيلها بمعادلة خطية بسيطة. أما عندما تكون أطوال المسارات أقصر فلا يسنح الوقت للإلكترون بالوصول إلى سرعة مستقرة. وفي هذه الحالة تتسارع الجسيمات دوما، ويترتب على المعادلات الممثلة لحركته أخذ تلك التعقيدات في الاعتبار.

 

إذا ظهرت صعوبات كهذه في نمذجة ظاهرة مفهومة بشكل جيد، فما الذي ينتظر المصممين مستقبلا وهم يسبرون أغوار الفيزياء المظلمة للمتناهيات في الصغر؟ لن تكون المحاكاة أحسن حالا من النماذج التي يصنعها الفيزيائيون للوقائع التي تحدث في حيِّزاتspaces صغيرة خلال فترات قصيرة. ولصقل هذه النماذج يحتاج الباحثون إلى القيام بتجارب في مجالات زمنية تقارب الفمتوثانية (15-10 ثانية).

 

الترانزستور المنكمش (المتقلص)

تتوضح النمنمة بالمقارنة هنا بين مفتاح كهرميكانيكي، صنع نحو 1957، وشيپة حديثة تحوي ذاكرة بـ 16 مليون بتة (في اليمين). يظهر التقدم في هذه اللقطات (عكس عقارب الساعة): أول ترانزستور صنع في مختبرات بِل (1948)؛ الترانزستور المُعلّب (1958)؛ الترانزستور بحجم حبة الملح (1964)؛ الشيپة 2000 بتة (1973)؛ لوحات ذات 185000 دارة، وذاكرة 2.3 ميگابتة (1985)، وشيپة ذاكرة ذات 64 ميگابتة (1992).

 

وتبرز الحاجة إلى معرفة أكثر لفيزياء الحالة الصلبة. فكلما ازدادت الشيپات تعقيدا، تطلب الأمر خطوات تصنيع أكثر تؤثر كل خطوة في الخطوة التي تليها. فعلى سبيل المثال عندما تدخل ذرات الإشابة في بلورة فإنها تسعى لجذب أو طرد أو التأثير في حركة الإشابات الأخرى. إن مثل هذه التأثيرات المتبادلة ليست معروفة جيدا، لذا فمن المطلوب إجراء مزيد من البحوث النظرية والتجارب العملية. كما تتطلب التفاعلات الكيميائية، التي تحدث على سطح بلورة سليكونية، تغذية من ذرات السليكون تشبه تدفقا لمائع خلال شبكة lattice المادة. فهل تحمل مثل هذه الحركة التدفقية معها مكونات أخرى؟ لم يواجه مصممو الجيل السابق من الشيپات مثل هذه الأسئلة، لأن الترانزستورات كانت كبيرة بما فيه الكفاية بحيث تتلاشى مثل هذه التأثيرات المتناهية في الصغر.

 

وإذا ما نحينا هذه العقبات جانبا، نجد أن المسؤولية تقع على عاتق الترانزستور نفسه في محاولة البحث عن تقانات بديلة. إذ إن نجاحات الترانزستور غير العادية في الخمسينات أدت إلى تطورات هائلة في فيزياء الحالة الصلبة. فقد اكتشف الباحثون، من خلال مسار العمل، العديد من الظواهر التي أدت بدورها إلى عدد من الأفكار المتعلقة بالأدوات الإلكترونية، وأدى العديد من مجالات الأبحاث هذه إلى معارف هندسية جديرة بالتقدير، إلا أن أيا منها لم يكن قادرا على إيجاد ركن ملائم لمعالجة المعلومات.

 

يُبرِرُ بعض العاملين تفوق الترانزستور بأنه يمثل أول تطبيق ناجح لأشباه الموصلات. ونظرا لهذه البداية الناجحة فقد أصبحت أشباه الموصلات محورا للبحث ضمن لها تقدما تقانيا يصعب مجاراته. ومع ذلك فإني أعتقد أن للترانزستور مزايا ذاتية تمكنه من الحفاظ على دور فعال لسنين قادمة.

 

لقد شاركت، بشكل ثانوي، في بعض الجهود لتنفيذ مفاتيح قطع ـ وصل بديلة. ولعل الفشل المتكرر لهذه الجهود جعلني أتساءل عن الشيء الذي نفتقده، وبالطبع كان يجب استنباط طرق تصنيع جديدة لتنفيذ هذه الوسائل المبتكرة. وعلى الرغم من أنه يمكن التغلب على ذلك، كان من الصعب الحصول على مجموعة عناصر يعمل بعضها مع بعض.

 

إلى أي شيء يدين الترانزستور بنجاحه المفاجئ؟ إن فرقا واحدا هو الواضح. فالترانزستور، كالصمام المفرغ الذي سبقه، له كسب gain كبير. أي إنه قادر على تضخيم كبير لإشارات من النوع المعالج في الدارات القائمة، إذ إن تغيرا صغيرا في الدخل يمكن أن يعطي تغيرا كبيرا في الخرج. فالكسب يُمكِّن الإشارة من المحافظة على نقاوتها عندما تمر في عدة مفاتيح قطع ـ وصل.

 

تبين لوحة المصفوفة الفعالة ذات البلورات السائلة هذه، أن بإمكان البنى الإلكترونية اليوم أن تصل إلى درجة عالية من التعقيد عبر مساحات واسعة. يتحكم في كل عنصورة (پيكسل ـ عنصر صورة)pixel (بلورة سائلة) ترانزستور خاص بها مما يوفر ميزا resolution غير اعتيادي.

 

يمكن للأدوات المنافسة للترانزستور، أن تنمنم بالسهولة نفسها وإن كان كسبها نتيجة لذلك أقل بكثير. خذ مثلا، الأدوات الثنائية الاستقرار [انظر الشكل في الصفحة 77] التي تؤدي وظائف منطقية من خلال التحرك بين حالتين مستقرتين يفصل بينهما انتقال عابر غير مستقر. لقد أنتج الباحثون مثل هذا الانتقال العابر بتصميم دارات ذات مدى من القيم يقل عندها التيار مع زيادة الڤلطية. وعند حدوث أي اضطراب ضئيل كالذي يتم أثناء حقن تيار زائد عبر الأداة سوف يحول الدارة بين حالتيها المستقرتين. ولأن هذا الدخل الضئيل يمكن أن يؤدي إلى تغيير كبير في التيار والڤلطية؛ فمن الممكن القول إن هذا يحقق كسبا.

 

ومع ذلك فإن الكسب (التضخيم) هذا أقل نفعا بكثير من الذي يوفره الترانزستور، بسبب عمل الأداة ضمن سماحيات ضيقة. لهذا يُوهِمُ المفتاح الثنائي الاستقرار بأنه يعمل جيدا داخل المختبر، حيث يمكن للمرء أن يولف دارته بدقة بحيث تبقى قرب نقطة العبور. إن مجموعة من هذه المفاتيح لن تكون ملائمة لمثل عمليات الضبط المجهدة هذه. وبالتالي لا يمكن بناء أداة معقدة مبنية على عمل هذه الدارات لأنها لن تعمل كلها، ولهذا لا تؤدي المقاومة السالبة دورا عمليا في معالجة البيانات.

 

لقد أعاقت الصعوبة نفسها تطوير الأدوات الضوئية غير الخطية، والتي تقوم شدة الأشعة الضوئية فيها مقام التيارات والڤلطيات في الدارات الكهربائية. وهنا أيضا يعتمد العمل على توليف دقيق للنظام بحيث إن أي تغير بسيط في الدخل سيقلب التوازن الدقيق له. (تسمى مثل هذه المفاتيح أحيانا "الترانزستورات الضوئية،" وهي تسمية تسيء إلى فهم مبادئ عمل الترانزستور). تواجه المفاتيح الضوئية مشكلة جوهرية أكبر. فالضوء، خلافا للكهرباء، يتفاعل بصعوبة مع الضوء، مع أن تفاعل الإشارات أمر أساسي للوظائف المنطقية. لذا يجب أن تحول الإشارات الضوئية إلى إشارات كهربائية في المادة شبه الموصلة، وتُغيُّر الڤلطية المنتجة تبعا لتلك الاستجابة الضوئية لمادة أخرى بحيث تُعدِّل (ترخم) حزمة الضوء.

 

لقد تم اقتراح مفتاح قاطع ـ واصل آخر (يدعى أحيانا أداة التداخل الكمومي) يعتمد على تداخل الأمواج. ففي الحالة الأكثر شيوعا كالإشعاع الكهرطيسي أو الضوء تقسم الموجة إلى مركبتين. تبدأ هاتان المركبتان بالاهتزاز في طور (زاوية) واحد. أي إن قممهما العليا والدنيا تهتزان بشكل مترادف. فإذا اتبعت المركبتان طريقين مختلفين في الطول، قبل أن تتحدا مرة أخرى، فستتغير العلاقة الطورية بينهما، وبالتالي، فإن القمم العليا والدنيا إما أن تلغي إحداها الأخرى، أو تزيدها مشَكِّلة هُدبا fringes سوداء ولامعة. وتعتبر الإزاحة بين هذه الهُدب مقياسا للطور النسبي للنظام.

 

وللإلكترونات أيضا طبيعة موجية يمكن أن نجعلها تتداخل. فإذا ما تحركت مركبتا الموجة بسرعات متساوية وعلى مسارين متماثلين إلى أن تتلاقيا، فإن هاتين المركبتين ستعيدان تشكيل الموجة الأصلية. وإذا تحركتا بسرعات مختلفة فإنهما ستتداخلان. ويمكن التحكم في سرعة إحدى الموجتين بتطبيق مجال كهربائي بالغ الصغر على مسارها. وتؤدي شدة مجال صحيحة إلى إلغاء الموجتين بحيث لا يمر أي تيار في الأداة.

 

ويبدو للوهلة الأولى، أن هذا العمل يماثل الترانزستور ذا الأثر المجالي، الذي يستخدم مجالا كهربائيا للتحكم في التيار عبر المادة شبه الموصلة. إلا أنه في أداة التداخل يجب أن تكون الشروط صحيحة تماما: فإذا كانت الڤلطية المطبقة عالية أو منخفضة أكثر من اللازم فسيسري تيار ما. وهذه الحساسية تعني أن أداة التداخل لن تعيد الطبيعة الثنائية لإشارة دخل متردية degraded input signal، ولكن بدلا من ذلك ستضيف مقدارا من الضجيج إلى إشارة الدخل الضعيفة هذه. وبالتالي فإن البيانات المارة من أداة إلى أخرى ستتلاشى بسرعة إلى العدم.

 

إن عدم وجود منافسين حقيقيين يعني أن التفكير في مستقبل الإلكترونيات الرقمية يكمن في الترانزستور؛ ويبدأ البحث والتمحيص من جديد عن مقياس أصغر أو عن مادة جديدة، كان آخره استعمال مواد شبه موصلة جديدة، مثل زرنيخيد الگاليوم والمركبات القريبة منه، يمكن للعديد منها ضمها في أداة واحدة. كما يمكن استخدام هذه التركيبات لإنتاج ما يسمى الوصلات المتغايرة heterojunctions، حيث تتلاقى الشبكات البلورية ذات الفجوات الطاقية المختلفة. ويمكن للشبكات البلورية هذه أن تتشابك بصورة غير تامة بحيث إنها قد تخلق عيوبا defects بمقياس ذري، أو يمكن لها أن تمتد لتطابق الواحدة الأخرى في عملية تُحْدِثُ شدا مرنا وتؤدي كلتا الحالتين إلى تأثيرات كهربائية جانبية.

 

قد تعقِّد هذه التركيبات الأمر إلا أنها في الوقت نفسه تزودنا بمتغير يمكن أن يكون مفيدا في التغلب على العديد من مشكلات التصميم التي تسببها النمنمة. وعلى سبيل المثال، فإن الإشابات ـ التي تزود شبه الموصلات بالإلكترونات ـ تبطئ الإلكترونات أيضا. ولتخفيف أثر الإبطاء هذا، يمكن أن نضع بالتناوب طبقات لمادتين شبه موصلتين، تكون إلكتروناتها ذات طاقات مختلفة. توضع الإشابات في المادة شبه الموصلة ذات الطاقة الأعلى، لكن الإلكترونات التي تعطيها تهبط فورا إلى طبقات المادة شبه الموصلة ذات الطاقة الأدنى بعيدا عن الشوائب.

 

يتساءل أحدنا عما يمكن أن يجنيه من تقانة تستطيع حفر ملايين الترانزستورات في حبة رمل أو وضع حاسوب فائق في جيب قميص. تتجاوز الإجابة عن هذا السؤال طاقة الحوسبة وتتعداها إلى ما يمكن لهذه الطاقة أن تبتاعه في ظل اقتصاد المعلومات الحديث. منذ فترة وجيزة فقط أصبح من المسلم به أن تجد أي شخص يمتلك حاسوبا شخصيا ومضمِّنا ـ كاشفا (موديم) modem قادرا على سبر 1000 جريدة بحثا عن مراجع حول أي موضوع يتبادر إلى ذهنه، بدءا بفاكهة الكيوي وانتهاء بفيزياء الكم. فهل سيصبح بالإمكان في وقت قريب أن يحمل كل إنسان نسخة من مكتبة الكونگرس، أو أن ينمذج الطقس، أو يوازن فيما بين استراتيجيات الأعمال والتجارة البديلة أو يهدد گاري كاسباروڤ في لعبة الشطرنج؟

 


 المؤلف

Robert W.Keyes

عضو هيئة الباحثين في مركز (IBM توماس واطسون) للأبحات في يورك تاون هايتس. تتركز اهتماماته في فيزياء وأدوات أشباه الموصلات وفي فيزياء نظم معالجة المعلومات، كتب وحاضر مرات عديدة في هذه المواضيع، حصل على ثماني براءات مسجلة. وهو من شيكاغو وأتم دراساته في جامعة شيكاغو حيث حصل على الدكتوراه في الفيزياء، كما أنه مشارك فعال في برامج مجلس البحوث الوطني وفي الجمعية الفيزيائية ومعهد المهندسين الكهربائيين والإلكترونيين.

 


مراجع للاستزادة 

FIELD-EFFECT TRANSISTORS IN INTEGRATED CIRCUITS. J. T. Wallmark and L. G. Carlstedt. John Wiley & Sons, 1974.

THE PHYSICS OF VLSI SYSTEMS. R. W. Keyes. Addison-Wesley Publishing, 1987.

CAN WE SWITCH BY CONTROL OF QUANTUM MECHANICAL TRANSMISSION? Rolf Landauer in Physics Today, Vol. 42, No. 10, pages 119-121; October 1989.

LIMITATIONS, INNOVATIONS, AND CHALLENGES OF CIRCUITS AND DEVICES INTO A HALF MICROMETER AND BEYOND. M. Nagata in IEEE journal of Solid-State Circuits, Vol. 27, No. 4, pages 465-472; April 1992.

THE FUTURE OF SOLID-STATE ELECTRONICS. R. W. Keyes in Physics Today, Vol. 45, No. 8, pages 42-48; August 1992.

HyperLink