Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink مايو - يونيه2007 / المجلد 23 HyperLink

  New Page 1

  

إزالة السدود المائية(*)

يجري في الوقت الحاضر هدم الكثير من السدود لِيُسمح للأنهار

والنظم البيئية التي تدعمها أن تستعيد وضعها الذي كانت عليه

قبل بناء السد، ولكن ثمة مخاطر بيئية، فهل يمكن تجنّبها؟

<C.J.ماركس>

 

 

في بداية القرن العشرين، كان النهر «فوسّيل كريك» مجرى مائيا يغذيه ينبوع مائي، يسقي واحة تقع في وسط صحراء أريزونا. وكان نظام هذا النهر البيئي مع ضفافه المغطاة بالأعشاب والنباتات يشكل مكانا ملائما لحياة الأسماك والكثير من الحيوانات والنباتات التي لا يمكنها أن تعيش في بيئات أخرى. وقد كان النهر وما يحيط به يجذب أيضا المكتشفين والساعين إلى استيطان الجنوب الغربي من الولايات المتحدة. وفي عام 1916 أقام المهندسون سدّا على نهر «فوسّيل كريك»، معيدين توجيه المياه عبر أقنية كانت تشق طريقها بحذاء التلال المنحدرة إلى مصنعين لتوليد الكهرباء. وكان هذان المصنعان يغذيان كهربائيا عمليات التعدين التي كانت تدعم نمو اقتصاديات ولاية أريزونا وتساعد على دعم التوسع السريع لمدينة فينيكس. لكن بحلول عام 2001، لم تعد محطة «فوسّيل كريك» لتوليد الكهرباء تقدم أكثر من0.1 % من احتياجات الولاية للطاقة الكهربائية.

 

وقبل سنتين تقريبا أُُغلق المصنعان وشُرع في إجراء التجارب لإزالتهما. ففي صيف عام 2005 أوقف عمال المؤسسة السد والأقنية، وبذلك تمّت إعادة توجيه معظم المياه المتدفقة إلى سرير النهر، البالغ طوله قرابة 22.5كم، والذي لم يتلقّ منذ نحو قرن تقريبا مثل هذه الكمية من المياه، وجراء ذلك تحوّلت الممرات المائية الضعيفة إلى شلاّلات، وتحوّلت البرك الضحلة الراكدة إلى برك عميقة فيروزية اللون. ويرصد العلماء حاليًا إمكانية استعادة النظام البيئي لوضعه الأصلي بعد انحطاطه جزئيا خلال تلك المدة الطويلة، وما إذا كانت الأسماك والنباتات المستوطنة ستتمكن من النمو والازدهار ثانية. ويتابعون أيضا رصد العواقب البيئية غير المتوقّعة لهذا المشروع ومراقبتها.

 

أضحت عملية إزالة السدود بعامة (والصغيرة منها بخاصة كما في حالة سد «فوسّيل كريك») حدثا مألوفا عندما يتقادم (يهرم) السد ويصبح دوره ثانويا في تزويد منطقة ما باحتياجاتها من الطاقة الكهربائية، أو يصبح غير آمن أو يصبح إصلاحه مكلفا جدا، أو عندما تُقرّر المجتمعات إعادة أنهارها إلى طبيعتها السابقة لتعج بالأسماك من جديد. ولكن هذا لا يعني أنّ مجرّد إزالة سد ما سيؤدّي بالضرورة إلى إعادة تصحيح النظام البيئي الذي تعرض للخلل فترة زمنية طويلة. وكما هي الحال مع جميع الأشياء الطبيعية، تثبت الحقيقة أن الحدث أكثر تعقيدا وحلّه أكثر صعوبة ممّا يمكن أن يتوقعه الإنسان. ويحاول الناس الذين شهدوا ولاحظوا الكثير من النتائج غير المتوقّعة لإزالة السدود أن يستفيدوا الآن من تلك المعلومات للحد من النتائج السلبية في المستقبل.

 

توجه عالمي(**)

 

يعمل في العالم حاليا نحو000 800 سد، منها 000 45 سدود كبيرة يتجاوز ارتفاعها 15 مترا، بني معظمها في القرن الماضي، وبصورة رئيسية بعد الحرب العالمية الثانية. إنّ منافع السدود جلية. تشكّل الطاقة الكهربائية المولدة بفعل مساقط المياه نحو 20 % من الإمداد الكهربائي العالمي، وهي طاقة متجدّدة ونظيفة بدرجة كبيرة، بخاصة عند مقارنتها بمصادر الطاقة الأخرى. تُنظّم السدود الفيضانات وتؤمن خزاناتها إمدادا مائيا موثوقا للري ومياه الشرب. وتشكل وسيلة من وسائل الاستجمام والتسلية. ويستخدم بعضها لمساعدة الملاحة وذلك بتخفيف سرعة تدفق مياه الأنهار.

 

 

نظرة إجمالية/ إعادة جريان الأنهار إلى وضعها الأصلي(***)

 

 يوجد في العالمنحو000  800 سد، غير أنّ السدود الصغيرة منها، وحتى بعض السدود الكبيرة، تجري إزالتها بصورة متزايدة، وبذلك تتمكّن الأنهار والجداول من استعادة وضعها الأصلي كما كانت عليه قبل إقامة السدود.

 ومع ذلك يدرك علماء البيئة أنّ إزالة السدود أو تخفيض ارتفاعها يتطلّبان قدرًا كبيرا من التخطيط الدقيق والتدخّل النشيط، لأن للسدود أحيانا فوائد بيئية مهمة، مثل احتجاز الرواسب السامة أو إيقاف تقدّم أنواع الأسماك الدخيلة.

 قبل إزالة السد على نهر «فوسل كريك» في ولاية أريزونا سمّم مسؤولو الإدارة الأسماك الدخيلة بعد أن تمّ رفع الأسماك المستوطنة (الأصلية) من النهر ووضعت في صهاريج خزن مؤقتة. ومثل هذه الاستراتيجيات يمكن أن تضمن النجاح لمشاريع إزالة السدود في المستقبل.

 

أمّا الأذى الذي تسبّبه إقامة السدود فواضح أيضا: تُشرّد السدودُ الناسَ، ونتيجة لذلك فقد أصبحت مثيرة للجدل بصورة متزايدة في العالم النامي(1). ويمكن أن تخرّب المناظر الطبيعية وتحتجز الرواسب (الضرورية لتشكيل الدلتا وضفاف الأنهار والشواطئ الرملية) وتعيق هجرة الأسماك، وتدمّر النظم البيئية في الممرات المائية وما يحيط بها. وللمنادين بصيانة الموارد الطبيعية تاريخ طويل في معارضتهم لإقامة السدود؛ فقد حاول<J.ميوير> منع إقامة سد هيتش هيتشي في وادي يوسميت بولاية كاليفورنيا، واستهدفت قصة <E.آبيه> : The Monkey Wrench Gang تدمير سد بگلين كانيون دام في ولاية أريزونا بحرب عصابات. وفي السنوات الأخيرة، بعد أن تم تعرّف سلبيات السدود بشكل جيد، سعى العديد من مسؤولي المؤسسات والمنظمات والداعين إلى صيانة الموارد الطبيعية والسكان الأصليين والباحثين وعامة الشعب إلى إزالة السدود القديمة (الهرمة).

 

وفي الولايات المتحدة، حيث يتحتم إعادة ترخيص العمل بسدود توليد الطاقة الكهربائية المائية كل 30 إلى 50 سنة، تجاوزت معدلات إزالة السدود معدّلات بنائها خلال العقد الماضي أو نحو ذلك. وخلال السنتين الماضيتين فقط، تمت إزالة نحو 80 سدا، ويتوقّع الباحثون المتابعون لهذا المسار استمرار عمليات إزالة السدود، وبخاصة الصغيرة منها. ومع أنّ الولايات المتحدة تقود هذا المسعى حاليا، فهي ليست الوحيدة في هذا المجال. فقد فكّكت فرنسا سدودا في وادي اللوار؛ كما أزالت أستراليا وكندا واليابان بعض سدودها أو تخطّط لإزالتها.

 

تمثّل إزالة سد ساندي ريکر جزءا من إعادة نهر «كينيبك ريکر» في ولاية مين بالولايات المتحدة إلى وضعه الأصلي. وفي عام 1999 تمت إزالة «سد إدواردز» على نهر كينّيبك، وبعد ذلك وبسرعة عاد الكثير من أسماك النهر المستوطنة (الأصلية) وتكاثرت بصورة مدهشة. فقد تمت إعادة جريان مياه نهر «ساندي ريکر» في صيف عام 2006، وهو رافد لنهر كينّيبك، إلى وضعه الأصلي قبل إقامة السد، وذلك لضمان عدم وجود عوائق لتحرك الأسماك.

 

حفّزت النجاحات الجلية معظم هذه الجهود والأنشطة. ففي عام 1999، فكّك المهندسون سد إدواردز على نهر كينّيبك في ولاية مين الأمريكية بعد صراع طويل شنّه المهتمون بالبيئة وانتهى برفض لجنة تنظيم الطاقة الفدرالية منح رخصة التجديد. وخلال سنوات، لاحظ البيولوجيون وبشيء من الدهشة، ارتفاع معدل عودة مجموعات من أنواع الأسماك (مثل سترايپد باس وأولواکز وأمريكان شادز وأطلنطيك سلمون وستورجيون) وأنواع من الطيور (مثل أوسپري وكومورنتس وكينگ فيشرز وبولد إيگل). إضافة إلى ذلك لاحظوا أنّ المياه أصبحت مهواة بصورة جيدة aerated، وأنّ مجموعات كثيرة من الحشرات (الذباب) المهمة في السلسلة الغذائية (مثل ميفلايز وستون فلايز وكاديسفلايز) قد تكاثرت من جديد.

 

وهذا ما حدث أيضا في «وادي اللوار» بفرنسا، فقد كانت أسماك السلمون غزيرة في القرن التاسع عشر. فبينما كان يهاجر منها نحو000  100 سمكة سنويا تناقص هذا العدد إلى نحو 389 سمكة فقط هاجرت في عام 1997. وعلى الرغم من إنشاء سلسلة من البرك الصغيرة المتدرّجة التي تُمكّن الأسماك من المرور فوق السدود في طريقها إلى أعالي الأنهار، فإنّ السدود الثمانية المقامة على نهر اللوار وروافده الرئيسية أهلكت بعنفاتها ومضخاتها كميات كبيرة من أسماك السلمون. وقادت منظمات غير حكومية تتضمّن «شبكة أنهار أوروبا» حملة لاسترجاع أسماك السلمون. واستجابة لذلك أزالت الحكومة الفرنسية أربعة من هذه السدود: اثنين خلال عام 1998 وواحدا خلال عام 2003 وآخر خلال عام 2005. وخلال بضعة أشهر من إزالة كل سد، بدأت خمسة أنواع من الأسماك (من بينها النوعان: أطلنطيك سلمون وشاد) باستعادة توطيد ممرات هجرتها التاريخية.

 

في معظم الأمكنة التي أُزيلت منها السدود، تكرّر ما حدث في نهري «كينّيبك» و«اللوار». فعندما رجع تدفّق المياه ازداد صفاؤها، وارتفع تركيز الأكسجين فيها وانتعشت الحشرات المائية ثانية. وكانت تنطلق من وراء السد مياه راكدة دافئة حاملة معها الأسماك مثل أسماك الكارپ الدخيلة التي تفضل هذه المياه وتتكيّف معها. وحالما تنساب المياه بحرية فإنّ حرارتها تنخفض وتزدهر فيها أو تعود إليها أنواع من الأسماك المحبة للبرودة، مثل أسماك الترويت. أمّا أسماك الكارپ، التي تنزع إلى طرد الأسماك الأخرى، فكانت تتضاءل عددا وأحيانا تختفي تماما. وتمكن الناس ثانية، إضافة إلى ما يزدهر من حيوانات ونباتات، من التمتّع بمنظر الأنهار. لاحظ البيولوجيون هذه الفوائد في ولاية ويسكونسين التي تعدّ من الولايات السباقة في إزالة السدود الصغيرة في أمريكا، وحتى ولاية نيو ساوث ويلز في أستراليا. ولقد كان لإعادة بعض المياه إلى الأنهار دون إزالة السدود تأثيرات إيجابية(2).

 

تحوّل نهر فوسّيل كريك الذي تغذّيه سبعة ينابيع، من مجرّد ساقية صغيرة (الشكل العلوي) إلى تدفق بغزارة 314 گالون في الثانية (الشكل الأيمن) بعد أن قام المهندسون بإعادة توجيه مياهه حول سد قديم لتوليد الطاقة الكهربائية المائية. وحاليا يدرس العلماء النهر لمعرفة الكيفية التي تتغيّر فيها السلسلة الغذائية لتحديد فيما إذا كانت أنواع الأسماك المستوطنة (الأصلية) تنمو وتزدهر. وكان هذا السد واحدا من 30 سدا أزيلت في عام 2005 (انظر المخطط في الأعلى).

 

السلبيات(****)

 

أشار البيولوجيون أيضا إلى مشكلات غير متوقّعة. فإطلاق الرواسب المنحبسة وراء جدران السد يمكن أن يسد الممرات المائية ويعكّر بوَحْله البيئة، ويقضي على الحشرات والطحالب التي تشكل الغذاء الضروري للأسماك. ويمكن أن تزيل هذه الموجة من العكارة مواطن الحيوانات اللاطئة التي تتغذّى بترشيح المياه مثل بعض أنواع رخويات المياه العذبة. وأحيانا قد يكون الطين المحتجز وراء السدود غنيا بالملوّثات. فعندما أزال المهندسون سد «فورت إدوارد» على نهر «هدسن» في عام 1973، ارتفع تركيز الملوّث «پولي كلورو بيفينيل» (PCB) في الأسماك التي تعيش في مجرى النهر الأسفل ما بعد السد، وبقي مرتفعا لسنوات عديدة، وبقي حتى الآن صيد النوع «سترايپد باسّ» ممنوعا بسبب ارتفاع تركيز هذه الملوثات السامة فيه.

 

ويمكن أن تصبح الرواسب التي لم تنقل إلى مجرى النهر الأسفل بعد السد عرضة للجدل. فعندما تصبح جافة يمكن أن توفّر تربة خصبة للنباتات الدخيلة الضارة حيث تكون بذورها مزروعة فيها. فقد نمت بصورة شديدة أعشاب القصب الأوراسية Eurasian الصفراء التي هيمنت على المستنقعات في منافسة شديدة مع أنواع النباتات المستوطنة (الأصلية)، وذلك بعد إزالة سد أوك ستريت في ولاية ويسكونسين، على الرغم من أنّ العلماء الذين يعملون على إعادة تأهيل البيئات المتدهورة كانوا قد زرعوا في المنطقة أنواعا مستوطنة من نباتات المروج prairies.

 

وفي بعض الحالات أعاقت السدود الأنواع الخطرة من التحرك باتجاه مجرى النهر العلوي وإلى مناطق خلف السد. فالسد عند نهر «فوسّيل كريك» على سبيل المثال، أوقف تقدّم الأسماك الدخيلة، مثل النوعين: باس وصانفيش، مُحدِثا خلف السد ملاذا للأسماك الجنوبية الغربية المعرّضة للخطر والمتضمّنة النوعين: هيدووتر شاب وسپيكلزديس. ووفرَّ خزّان السد أيضا موطنا للأنواع المهدّدة محليا: الضفدع النمر المستنقعي lowland leopard frog.

 

يمكن أن تسبّب إزالة السدود مخاطر للناس الذين يعيشون في الجوار. ففي الأمكنة التي كان تنظيم الفيضانات فيها ضروريا، تحتم على المنظمات الحكومية ابتكار استراتيجيات أمان وسلامة قبل إزالة السدود. ففي حالة حوض اللوار فإنَّ توفّر بيانات حكومية دقيقة عن أنماط الطقس وهطل الأمطار ومستويات مياه الأنهار مكن من إطلاق تحذيرات حدوث الفيضان قبل وصول الخطر بأربع ساعات على الأقل. إضافة إلى ذلك أعاد المهندسون تصميم أسرّة الأنهار لتكون أعرض وأعمق، ما مكن المياه في وادي اللوار من الحركة بحرية أكثر دون أن تفيض على الضفاف.

 

إزالة ماهرة للسدود(*****)

 

يقدّم مشروع إعادة نهر «فوسّيل كريك» إلى وضعه السابق مثالا مهما لنوع التخطيط الذي يمكن أن يساعد على تقليل التأثيرات الضارة الناجمة عن إزالة السدود. خطّط الباحثون بعناية للسيطرة على الأضرار المحتملة الناجمة عن هذه العملية. تمثلت اهتماماتهم الرئيسية بما يجب عمله بالرواسب المتجمّعة خلف السد وحول إمكانية معالجة مسألة صيد الأسماك وبخاصة المستوطنة منها (ما يعني إزالة أنواع الأسماك الدخيلة)، وكيفية حماية الضفادع المقيمة في خزان السد. وفي النهاية، قرّر المهندسون إعادة توجيه المياه حول السد، مع الاحتفاظ به كحاجز ضد الأسماك الدخيلة وإتاحة فرصة العيش للضفادع خلف السد.

 

إضافة إلى ذلك قرّر البيولوجيون معالجة مسألة الأسماك المستوطنة (الأصلية) بصورة فعالة، حيث قاموا باصطياد كميات كبيرة منها من النهر نفسه، ورفعت ووضعت في خزانات مؤقتة، ثم وضعوا في النهر سُمّا للأسماك لقتل الأنواع الدخيلة، ولم يعيدوا الأسماك المستوطنة إلى الماء إلا بعد التأكد من تلاشي السُّم. أقام مكتب استصلاح الأراضي في الولايات المتحدة، فضلا على ذلك، حاجزا لصيد السمك على بعد 12كم تحت مستوى السد لاعتراض الأسماك الدخيلة. وينتظر مسؤولو الإدارة ليروا كيف تتصرّف الأنواع في «فوسّيل كريك». وسيقرّر مصير السد في عام 2010؛ فإذا توطّد وجود أفراد الضفدع النمر في المجرى السفلي للنهر، ولم تعد الأسماك الدخيلة ثانية إلى النهر، فإن السدّ سيُزال، وإلاّ سوف يُخفّض مستواه دون أنْ يزال.

 

 كثيرًا ما يواجه القائمون بشؤون السدود مشكلة كبيرة تتمثل في ما يجب عمله تجاه التراكم الكبير     للأوحال والركام.

 

والشيء الملاحظ أنّ إعادة نهر «فوسّيل كريك» إلى وضعه الأصلي تتضمَّن إقامة سدود متعدّدة إضافية، سيتم بناؤها من التراکرتين الذي يتشكّل بصورة طبيعية عندما تتفاعل مياه الينابيع الغنية بكربونات الكالسيوم مع الطحالب لتشكيل طبقات من الحجر الكلسي. ونتيجة لهذه الحواجز تتشكل أحواض صغيرة وعميقة، وتُمثِّلُ مواطن مثالية لمجموعات متنوعة من الأسماك والحشرات. وهذه الحواجز تحتجز أيضا فضلات الأوراق النباتية التي تمثّل المصدر الغذائي الضروري للكائنات الحية التي تعيش في النهر، والذي غالبا ما يزول بوجود السدود التي يبنيها الإنسان وذلك باحتجازه بصورة دائمة خلف السد.

 

الرواسب موضوع جدل(******)

 

إن الرواسب المحتجزة خلف السدود تكشف عن متغيّرات حاسمة عندما تُفكك تلك السدود. والمسألة الكبرى التي غالبا ما تواجه مسؤولي الإدارة هي كيفية معالجة التراكم الكبير للأوحال والحطام. وبسبب خطورة إطلاق الملوث «بولي كلورو بيفينيل» (PCB) في المجرى السفلي لنهر هدسن Hudson، يقوم العلماء بفحص هذه المواد بصورة دورية لمعرفة مدى سميتها. فإذا كانت الرواسب تحتوي على مستويات عالية من الملوثات، فإن تكلفة إزالتها، وبخاصة من المواقع البعيدة، لا بد أن تقارن بقدرة الممر المائي على نقلها والتخلص منها. فإذا كانت حمولة الرواسب عالية جدا وقدرة إزالة النهر للرواسب منخفضة، فلا بد أن يختار المهندسون إزالة السد على مراحل، بحيث يتاح في كل مرة إطلاق كميات صغيرة من الرواسب. فأحيانا يشيّد المهندسون أقنية عبر خزانات السدود ويزرعون غطاء نباتيا لتثبيت الرواسب أو يضعون عوائق صنعية مثل الصخور، أو سياجا مؤقتا لحجز الأوحال في مكانها.

 

ففي نهر «فوسّيل كريك» حيث احتجز نحو 000 25 ياردة مكعبة من الرواسب خلف السد، يتوقّع الجيولوجيون وغيرهم أن يزيل النهر الرواسب نحو مجراه السفلي خلال عقد من الزمن دون أية تأثيرات مؤذية. وعلى هذا النحو لا يتعيّن على المشروع أن يوازن بينه وبين التكاليف والتأثيرات البيئية السلبية الناجمة عن نقل الآليات الثقيلة إلى مناطق قفراء (برية).

 

ومع ذلك تطرح الرواسب في العديد من المواقع الأخرى مشكلات أكبر. ففي سد «ماتيليجا دام» على نهر «ماتيليجا كريك» في جنوب ولاية كاليفورنيا تجمّع خلف السد قرابة 6 ملايين ياردة مكعبة من الأوحال (كمية كبيرة جدا من الرواسب أدَّت إلى عدم صلاحية السد لخزن المياه للري والشرب). وفي الوقت نفسه تستغيث الشواطئ الرملية (البلاجات) في المجرى السفلي للنهر طلبا للرواسب؛ فهي بحاجة ماسة إلى الأوحال والرمال لمنع الحت والتعرية بالهواء والأمطار.

 

 لقد تمّ تحديد عام 2009 لإزالة سد «ماتيليجا»، ووضع مسؤولو الإدارة خطة محكمة لمشكلة الرواسب. فهم يعتزمون نقل الرواسب الطينية الناعمة من وراء السد عبر أنبوب ملاطي القوام إلى مواقع تبعد مسافة 5 إلى 11 كم في المجرى السفلي للنهر. ومن هذه المواقع سيتمم النهر العمل وذلك بإعادة توزيع المواد أثناء حدوث الفيضانات لتشكيل شواطئ رملية وحواجز رملية. أمّا الرواسب الأكبر حجما أو الخشنة الحبيبات التي تراكمت في المجرى العلوي للنهر قبل السد فستترك في مكانها، غير أنّ المهندسين سيغيرون انحدار مجرى النهر في هذه المنطقة إلى مجرى أكثر تعرجا يقي بشكل أفضل من الفيضان، وذلك من خلال السماح للرواسب بالتراكم وإعادة تشييد ضفاف النهر.

 

إعادة الأسماك المستوطنة (الأصلية) إلى نهر فوسّيل كريك بالدلاء (في الأعلى)، بعد أن تم نقلها قبل ذلك من النهر ووضعها في خزانات مؤقتة. وقد عالج البيولوجيون النهر بمواد سامة للتخلّص من أنواع الأسماك الدخيلة قبل إعادة الأسماك المستوطنة. وكذلك سبّبت هذه الأنواع مشكلة بعد أن أزال المهندسون سد «أوك ستريت» على نهر «بارابو ريکر» في ولاية ويسكونسين. فقد هيمنت أعشاب القصب الأوراسية الصفراء على ضفاف النهر، على الرغم من أن العاملين كانوا قد زرعوا أنواعا مستوطنة.

 

انطلاقة إلى الأمام(*******)

 

يستخدم الإداريون والمهندسون في نهر «فوسيل كريك»، وفي أمكنة أخرى، جميع المعلومات المتاحة عن إزالة السدود وإعادة تأهيل البيئة، وجميع ما يعرفونه عن مساقط المياه لاتخاذ القرارات المناسبة. غير أنّه مازال هناك الكثير من القصور والنقص في المعلومات عن النظم البيئية. ويقر العاملون في عمليات إزالة السدود أنهم ما زالوا يقومون بتجارب طويلة الأمد يمكن أن تصل إلى نتائج غير متوقعة. فقد كان مشروع «فوسيل كريك»، على سبيل المثال، المشروع الأول الذي تم فيه إزالة الأسماك الدخيلة. وإذا كانت هذه الاستراتيجية ناجحة فيمكن أن تصبح مألوفة (روتينية)، وبخاصة في الأنهار الصغيرة حيث يمكن استخدام المعالجة الكيميائية.

 

سوف يقدم فريقنا البحثي عن «فوسّيل كريك» الآن وثائق عن كيفية إعادة النهر إلى وضعه الأصلي قبل إقامة السد. ومن بين الأسئلة الكثيرة التي لم تتم الإجابة عنها والتي نأمل أن نركّز عليها خلال السنوات العشر القادمة هي: هل ستزدهر الأسماك المستوطنة (الأصلية) دون تدخّلنا؟ وهل ستعود الأسماك الدخيلة ثانية؟ وأحد الانعطافات المهمة غير المتوقعة، الذي يصعب البت فيه، في قضية «فوسّيل كريك»، يكمن في أنّ المواد الكيميائية السامة المستخدمة في إزالة الأسماك الدخيلة لم تؤذ أفراد جراد البحر crayfish الدخيلة، التي يعرف عنها أنها تخرب السلسلة الغذائية. فالأسماك الدخيلة كانت تتغذّى بجراد البحر، وهذا يؤدي إلى خفض عدد أفراد القشريات (جراد البحر). وربّما نكون قد استبدلنا وضع ضارٍ بآخر. إضافة إلى ذلك، بقدر ما يعود نهر «فوسّيل كريك» إلى وضعه الأصلي بقدر ما يزداد عدد زواره. ومع زيادة عدد قوافل المتنزّهين على طول ضفاف النهر، يحتاج مسؤولو الإدارة إلى وضع قواعد لا تتيح للناس الوصول إليها فقط وإنّما أيضا لتحمي النظام البيئي الهش غير المستقر.

 

ولتدعيم التجارب المحلية (في الموقع) كتلك التي تُجرى في «فوسّيل كريك»، يستخدم الباحثون عمليات محاكاة حاسوبية وينفّذون دراسات في المختبرات. فقد أقام المركز الوطني لدراسة حركة سطح الأرض في ولاية مينيسوتا أنموذجا لنظام بيئي من الجداول والسدود والخزانات المنمنمة (المصغرة). وقد استخدم الباحثون في هذا المركز التصوير المتقطع بفترات زمنية محدّدة لتحديد الكيفية التي تتحرّك فيها الرواسب نحو المجرى السفلي للنهر أثناء عمليات إزالة السدود بطرق متنوعة وبأحجام مختلفة.

 

إنّ الكثير من المهندسين الذين كرّسوا وقتهم لبناء السدود يجدون الآن أنفسهم، عوضا عن ذلك، يعملون على إزالتها. وحاليا لا تدرس وكالات حكومية في الولايات المتحدة (مثل مكتب استصلاح الأراضي وهيئة مهندسي الجيش) إلى جانب نظرائهم الأوروبيين، فقط كيفية إزالة السدود، ولكن أيضا كيفية الحصول على فوائد السدود دون تأثيراتها الضارة؛ مثلا كيف نستخلص الماء من الأنهار دون بناء حواجز. واستجابة لنحو 2000 تقرير وضعتها اللجنة العالمية للسدود، يحاول المهندسون أيضا دمج عملية الإزالة (الهدم) في التصاميم الأصلية للسدود المستقبلية.

 

وستتابع المجتمعات مقارنة إيجابيات السدود وسلبياتها لترجيح منافعها وفوائدها مقابل الأذى الذي ينجم عن هدمها وإزالتها. ويتحتم على العلماء متابعة دراسة ما يتعلّق بكيفية إزالة السدود بالشكل الأمثل، ما يضمن ازدهار المجتمعات البشرية والنظم البيئية. وخلال السنوات القليلة القادمة ستزودنا إزالة العديد من السدود الكبيرة بمعلومات مهمة إضافية. ففي عام 2009 سوف يزال سدان من «أوليمبيك ناشيونال پارك» في ولاية واشنطن: سد «كلاينز كانيون» الذي يبلغ ارتفاعه 210 أقدام وسد «إلوها» الذي يبلغ ارتفاعه 109 أقدام. وفي كلا الموقعين يقوم العلماء بجمع بيانات أساسية حول أسماك السلمون والستيلهد، وحول مستويات الأكسجين وتعداد الحشرات وحمولات الرواسب. وفي اليابان، سيزال في عام 2010 سد «أريز» استجابة للحملة التي قام بها الناشطون المدنيون المهتمون بتدني نوعية المياه وانخفاض معدل صيد الأسماك. وستقوم أستراليا بتحويل بحيرة موكوان التي تبلغ مساحتها 19 500 أكر، ثانية إلى مستنقعات عندما يُزال سدها؛ في حين تفكّر فرنسا بإزالة السد الخامس على نهر اللوار.

 

نموذج نهر، أقيم في المركز الوطني لديناميات سطح الأرض في ولاية مينيسوتا، يزود العلماء بطريقة لدراسة الكيفية التي تتحرّك فيها الرواسب. ويمكن لهذا البحث أن يساعد الخبراء على التخطيط لما يتعين عمله للتخلص من الأوحال والمواد الأخرى التي تتجمّع خلف السدود.

 

وفي معظم الحالات ينشأ خلاف حول عمليات إزالة السدود وأحيانا يكون الجدل غير متوقع. ففي وادي «اللوار» اختلف أب وابنه في وجهة النظر، ففي حين تذكّر الأب وضعية الأنهار الطبيعية قبل إقامة السد وهجرة أسماك السلمون، كان الابن قد ترعرع على السباحة وركب القوارب في بحيرة السد. وفي حالة «فوسّيل كريك» أراد المجتمع المحلي الحفاظ على مكونات محطة التوليد تشايلدز-إيرکينك. لقد بنت هذه المنشأة <E.طات> [إحدى المهندسات القلائل في تلك الحقبة من الزمن] وحافظت عليها أجيال المهندسين الذين عاشوا في الموقع مع عائلاتهم، وكانت هذه المنشأة مهمة بالنسبة إليهم من الناحية الحضارية. ونتيجة لذلك أصبح الحفاظ عليها جزءا من خطة إعادة النهر إلى وضعه السابق.

 

وهذا صحيح بالنسبة إلى سد ولنگتون في نيو ساوث ويلز بأستراليا. ففي عام 2002 ضمنت مؤسسة المياه الحكومية بقاء ارتفاع قدره متر واحد على سطح المنشأة (باستثناء فرجة لتأمين الجريان) عبر نهر «بوشرينجارز»، وبذلك يمكن أن يبقى الجمهور متمتعا بالسد الذي بني في عام 1898. وبمثل هذه التسويات، إلى جانب أفكار بيئية أخرى وهندسة مرنة إضافية، يبدو أنّه من الممكن أن نعتبر أنّ الممرات المائية العالمية تفي في نهاية المطاف بما وعدت به جميع الأطراف ـ من النباتات إلى الناس.

 


المؤلفة

 Jane C.MArks

 

 تردّ المؤلفة عملها كمتخصصة في علم البيئة إلى اهتمامها بالطحالب. فبعد أن أتمّت دراستها الجامعية الأولى في قسم اللغة الإنكليزية بجامعة متشيگان في «آن أربور» أصبحت مولعة بالنباتات المائية وحصلت على الماجستير في البيولوجيا من جامعة «باولينگ گرين ستيت» ثم على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بركلي. وفي عام 1995 بدأت العمل مع وكالة التنمية العالمية في الولايات المتحدة، مقدمة الاستشارة إلى المنظمة حول مسائل صيانة وإدارة المصادر الطبيعية في العالم. وفي عام 1999 انضمت <ماركس> إلى الهيئة التدريسية في جامعة أريزونا الشمالية. يُنشر عملها حول نهر «فوسّيل كريك» في مؤلّف وثائقي تحت عنوان: إعادة ولادة نهر: إعادة نهر «فوسّيل كريك» إلى وضعه الأصلي A River Reborn: The Restoration of Fossil Creek [انظر www,riverreborn.org].

 


 مراجع للاستزادة

 

Undamming Rivers: A Review of the Ecological Impacts of Dam Removal. A. T. Bednarek in Environmental Management, Vol. 27 6, pages 803-814; June 2001.

 

Dam removal: Challenges and Opportunities for Ecological Research and River Restoration. D. D. Hart et al. in Bioscience, Vol. 52, No.8, Pages 669-681; August 1, 2002.

 

Dam Removal Research: Status and Prospects. Heinz Center, 2003.

Available at www.heinzcenter.org/New_Web/POF/Dam_Research_Full Report.pdf

 

Trading Off: The Ecological Effects of Dam Removal. Emily H. Stanley and Martin W. Doyle in Frontiers in Ecology and the Environment, Vol. 1, No. 1 pages 15-22; 2003.

 

Interactions between Geomorphology and Ecosystem Processes in Travertine Streams: Implications for Decommissioning a Dam on Fossil Creek, Arizona. Jave V. Marks et al. in Geomorphology, Vol. 77, Nos. 3-4, pages 299-307, July 2006

 

American Rivers: www.americanrivers.org

 


(*)DOWN GO THE DAMS

(**)  A Global Trend

(***) Overview/ Restoring River Flows

(****) The Downsides

 (*****)Delicate Decommissioning

(******)  Wrangling Sediment

(*******) Going Forward

 


(1) انظر: The Himba and theDam  by Carol Ezzell

Scientific American, June 2001.

(2)  انظر: Experimental Flooding in Grand Canyon

by M. P. Collier - R. H. Webb - E. D. Andews;

Scientific American, January 1997.

HyperLink