Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink يناير - فبراير2005 / المجلد 21 HyperLink

  New Page 1

 

نظام التحذير المناعي المبكر(*)

تشكل الاستجابة المناعية الفطرية خط الدفاع الأول ضد الميكروبات

الغازية وتؤدي دورًا في الأمراض الالتهابية. وقد يقودنا إمعان

النظر في آلية عمل هذا الجهاز إلى علاجات جديدة للكثير

من الاضطرابات العَدْوانية (الخمجية) المتعلقة بالمناعة.

<J.A.L. أونيل>

 

إنْ تَصادف، عند وجود امرأة في مصعد، أن ابتدأ أحد من يركبون المصعد معها بالعطاس فإنه في اللحظة التي تفكر فيها هذه المرأة في نوع الإصابة التي يمكن أن ينشرها هذا الرجل في جو المصعد، ينشط على الفور جهازها المناعي. فإذا كانت هذه المرأة سبق أن صادفت تلك الجرثومة المنتشرة عند العطس، فإن كتيبة من الخلايا المناعية المدربة ـ التي تمثل جنود المشاة لما يسمى الجهاز المناعي التلاؤمي adaptive immune system ـ ستتذكر هذا الغازي بالذات وتتخلص منه خلال ساعات. وقد لا تدرك هذه المرأة على الإطلاق أنها قد تعرضت للعدوى (للخمج).

 

ولكن إذا كان الڤيروس أو البكتيرة واحدا من الميكروبات التي لم تصارعها مطلقا هذه السيدة السيئة الحظ، فإن نوعا مختلفا من الاستجابة المناعية يتدخل للإنقاذ. إن هذا الجهاز المناعي الفطري (الخِلْقي) innate يتعرف طوائف عديدة من الجزيئات التي تنتجها ضروب من العوامل المسببة للمرض، أو المُمْرضات pathogens. عندما تُكتشف هذه العوامل يعمل الجهاز المناعي الفطري على إطلاق استجابة التهابية، تحاول فيها خلايا محددة من الجهاز المناعي أن تواجه الغازي وتوقف انتشاره. تعمل فاعلية هذه الخلايا ـ والمواد الكيميائية التي تفرزها ـ على إحداث الاحمرار والانتفاخ في مواقع الأذية، وهي المسؤولة عن الحمى وأوجاع البدن والأعراض الشبيهة بأعراض الإنفلونزا والتي ترافق العديد من العداوى (الأخماج) infections.

 

نحن نعلم حاليا أن التأذي الالتهابي يبدأ بالمستقبلات TLRsا(1): وهي عائلة قديمة من الپروتينات التي تتواسط المناعة الفطرية في الكائنات الحية بدءا من ملك السرطانات horseshoe crabs (حيوان بحري من المفصليات) وحتى البشر. إن فشلت المستقبلات TLRs، يتحطم كامل الجهاز المناعي، ويترك الجسم عرضة تماما للإصابة بالعداوى. أما إن عملت على نحو قوي جدا، فإنها يمكن أن تحرض اضطرابات تتميز بالتهاب مؤذٍ مزمن، مثل التهاب المفاصل arthritis والذَّأَب lupus وحتى المرض القلبي الوعائي cardiovascular.

 

لقد أحدث اكتشاف المستقبلات TLRs إثارة بين إخصائيي المناعة تعادل ما حصل بعد عودة <كريستوفر كولمبوس> من العالم الجديد. ويبحر العديد من الباحثين الآن إلى هذا العالم الجديد، حيث يأملون إيجاد تفسيرات للعديد من المظاهر التي مازالت غامضة في المناعة والعدوى والاضطرابات التي تتضمن فاعلية الدفاع الشاذة. لقد بدأت بالفعل دراسة هذه المستقبلات وكذلك الأحداث الجزيئية التي تحصل عند مواجهة العامل الممرض، في إماطة اللثام عن أهداف لمستحضرات دوائية قد تزيد من فاعلية حماية الجسم، وتفيد في تصنيع لقاحات داعمة، وفي معالجة سلسلة من الاضطرابات المدمرة والمهلكة.

 

نظرة إجمالية/ المناعة الفطرية(**)

▪ تعمل المناعة الفطرية (الخلقية) كجهاز استجابة سريعة لكشف العدوى (الخمج) بأي عامل ممرض والتخلص منه. تتواسط الاستجابة بعائلة من الجزيئات تدعى المستقبلات TLRsز(1) يصنعها العديد من الخلايا الدفاعية.

▪ عندما تكشف المستقبلات TLRs غازيا، فإنها تثير إنتاج صفيف من پروتينات الإشارة التي تحرض الالتهاب وتوجه الجسم نحو شن استجابة مناعية كاملة.

▪ إذا عملت المستقبلات TLRs دون الحد المطلوب، فستفشل الجملة المناعية؛ وإذا كان عملها فوق الحد المطلوب (مفرطة النشاط) فقد يؤدي ذلك إلى حصول اضطرابات؛ مثل التهاب المفاصل الروماتويدي وأحيانا إلى مرض وعائي قلبي. إن معرفتنا بكيفية التعامل مع المستقبلات TLRs أو الپروتينات المتآثرة معها قد تقدم لنا خيارات جديدة في علاج الأمراض المعدية (الخمجية) والالتهابية.

 

سندريلاّ المناعة(***)

إلى ما قبل نحو 5 سنوات، عندما كان الأمر يتعلق بالجهاز المناعي، كان الجزء التلاؤمي منه هو نجم المسرح، فقد امتلأت الكتب الدراسية بالتفاصيل حول الخلايا المناعية من النوع B التي تصنع الأضداد antibodies التي تتلقف بدورها پروتينات معينة (أي مستضدات antigens) موجودة على سطح الممرض الغازي، وكذلك حول الخلايا المناعية من النوع T التي تحمل مستقبلات قادرة على تعرّف أجزاء من پروتينات العوامل الممرضة. وتدعى هذه الاستجابة بالتلاؤمية (التكيفية) لأنها تنضبط ـ بحسب سير العدوى ـ لكي تتعامل على النحو الأفضل مع الميكروبات المسؤولة عن إحداث المرض.

 

وقد سرقت المناعة التلاؤمية الأضواء أيضا لأنها زودت الجهاز المناعي بالذاكرة. فحالما تُستأصل العدوى، تتلبث الخلايا B و T المدربة في الجوار لتحمي الجسم من الهجمات اللاحقة. وقد سمحت قدرة اللقاحات على تذكر العداوى السابقة، أن تحمينا (تلك اللقاحات) من أمراض تسببها ڤيروسات أو بكتيرات. تعمل اللقاحات على تعريض الجسم لصورة مَعُوْقَة من العامل الممرض (أو أجزاء غير ضارة منه)، غير أن الجهاز المناعي يتفاعل معها كما يتفاعل مع هجوم حقيقي، بحيث يولد خلايا ذاكرة واقية في هذه العملية. وبفضل الخلايا B والخلايا T، فإنه حالما يواجه الكائن الحي ميكروبا وينجو منه يصبح عصيا على نفس الميكروب في المرة القادمة.

 

يبدو الجهاز المناعي الفطري ضئيلا إذا ما وضع في مجال المقارنة. وكان الشعور السائد يميل إلى أن مكونات هذا الجهاز ـ بما فيها الإنزيمات المضادة للبكتيرات في اللعاب ومجموعة متشابكة من الپروتينات (تعرف في مجموعها بالمتمِّمة the complement)، التي تقتل البكتيرات في مجرى الدم ـ هي أقل تعقيدا من الأضداد المستهدفة والخلايا T القاتلة. والأكثر من ذلك، أن الجهاز المناعي الفطري لا يؤدي استجابته بالطريقة نفسها التي يعمل بها الجهاز التلاؤمي.

 

تعمل المواجهة البدئية مع الجراثيم (أو العوامل الممرضة) على إطلاق الذراع

الفطري (الخِلقي) للنظام المناعي، الذي تبين أنه أكثر تعقيدا مما نظن.

 

وإذ يغض إخصائيو المناعة النظر عن الاستجابة المناعية الفطرية لكونها فاترة وغير مشوقة، فإنهم يحومون بحذر حول سر صغير ضبابي، هو أن الجهاز التلاؤمي لا يعمل في غياب الاستجابة المناعية الفطرية التي يفترض أنها أكثر بساطة، إذ ينتج الجهاز الفطري پروتينات إشارية معينة signaling proteins تدعى السيتوكينات cytokines، التي لا تعمل فقط على تحريض الالتهاب وإنما تفعّل كلا من الخلايا B و T التي تتطلبها الاستجابة التلاؤمية. وهكذا، يتبين أن الشقيقة الأنيقة تحتاج إلى أختها الأقل أناقة لتزيدها تألقا.

 

 وفي نهاية التسعينات، عرف علماء المناعة كمية هائلة من المعلومات عن كيفية عمل الجهاز المناعي التلاؤمي. ولكنهم كانوا أقل معرفة بالمناعة الفطرية. وعلى نحو خاص، لم يفهم الباحثون آلية عمل الميكروبات في تفعيل الاستجابة الفطرية ـ أو بالضبط كيف يستطيع هذا التحريض أن يساعد على توجيه الاستجابة التلاؤمية لكل من الخلايا B و T. وبعد ذلك مباشرة استطاعوا أن يتوصلوا إلى أن معظم الإجابة تكمن في المستقبلات TLRs، التي ينتجها العديد من خلايا الجهاز المناعي المتنوعة. ولكن الطريق الذي اتبعه العلماء للتوصل إلى هذه الپروتينات كان طريقا طويلا ملتفا مر عبر دراسات أجريت على تطور ذبابة الفاكهة (الدروسوفيلا)، وعبر البحث عن أدوية لمعالجة التهاب المفاصل، ومع بزوغ العصر الجينومي.

 

پروتين غريب(****)

 كان لهذا الطريق بداياته الفعلية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، عندما بدأ علماء المناعة بدراسة الفاعلية الجزيئية للسيتوكينات. يُنتِج هذه المراسيلَ الپروتينية العديدُ من الخلايا المناعية المتنوعة بما فيها البلاعم macrophages والخلايا التغصنية dendritic cells. تعمل البلاعم كدوريات حراسة لحماية أنسجة الجسم، باحثة عن علامات signs على حصول العدوى. وعندما تكتشف أي پروتين غريب فإنها تطلق الاستجابة الالتهابية. وعلى نحو خاص، فإنها تطبق على الغازي الذي يحمل هذا الپروتين وتحطمه، وتفرز مجموعة من السيتوكينات التي يعمل بعضها على رفع درجة الإنذار التي تجند باقي الخلايا للعمل في موقع العدوى، وتضع الجهاز المناعي بمجمله في حالة إنذار قصوى؛ في حين تعمل الخلايا التغصنية على ابتلاع الميكروباتالغازية، ثم تتحول إلى العُقَد اللمفية، حيث تقدم أجزاء من پروتينات المُمْرِض إلى جيوش الخلايا T وتحرر السيتوكينات ـ وهي الفعاليات التي تساعد على بدء تشغيل الاستجابة المناعية التلاؤمية.

 

لدراسة وظائف مختلف السيتوكينات احتاج الباحثون إلى طريقة لتحريض إنتاج تلك الجزيئات. لقد وجدوا أن الطريق الأكثر فاعلية لجعل البلاعم والخلايا التغصنية تصنع السيتوكينات في المختبر هو تعريضها للبكتيرات ـ بخاصة، إلى مجموعة من مكونات البكتيرات. ومن الملاحظ أن هناك جزيئا يدعى «متعدد السكريد الشحمي» lipopolysaccharide  LPS ، تصطنعه مجموعة كبيرة من البكتيرات، تعمل على تحريض استجابة مناعية قوية. ولدى البشر، يسبب التعرض للسكريد LPS الحمى، وقد يؤدي إلى حدوث صدمة إنتانية septic shock ـ وهي تعطيل وعائي مميت ينجم عن الفعل المخرب الكبير للخلايا المناعية. وتبين أن السكريد LPS يحرض هذه الاستجابة الالتهابية، عبر تحريض البلاعم والخلايا التغصنية على تحرير سيتوكيْنَيْن اثنين: عامل التنخر الورمي

 ألفاfactor-alpha (TNF-a)tumor necrosisL والإنترلوكين1 (IL-1).

 

أقسام الجهاز المناعي(*****)

يمتلك الجهاز المناعي لدى الثدييات قسمين رئيسين. الجزء الفطري (الخلقي) (الجانب الأيمن) ويعمل قرب نقاط الدخول إلى الجسم، وهو دائما على أهبة الاستعداد. وإن فشل في احتواء العامل الممرض يتدخل الجزء التلاؤمي (الجانب الأيسر) فيشن هجوما قويا ومركَّزا ضد الغازي النوعي.

الجهاز المناعي الفطري

يتضمن هذا الجهاز ـ من بين مكوناته ـ جزيئات مضادة للميكروبات، وبلعميات phagocytes متنوعة (وهي الخلايا التي تبتلع العوامل الممرضة وتحطمها). تعمل هذه الخلايا (مثل الخلايا التغصنية dendritic cells والبلاعم macrophages) أيضا على تفعيل استجابة التهابية، مفرزة پروتينات تدعى السيتوكينات تطلق دفقا من الخلايا الدفاعية من الدم. ومن بين هذه الإمدادات المزيد من البلعميات وبخاصة الوَحِيدات monocytes (والتي يمكن أن تنضج لتصبح بلاعم) وكذلك العَدَلات neutrophils.

الجهاز المناعي التلاؤمي

«نجوم» هذا الجهاز هي الخلايا B و T. تفرز الخلايا B المفعَّلة جزيئات ضدية ترتبط بالمستضدات ـ أي المكونات النوعية الخاصة بالغازي المهاجم ـ وتحطم هذا الغازي إما مباشرة أو بدمغه بإشارة تُسهِّل مهاجمته من الغير. تتعرف الخلايا T المستضدات المعروضة على سطح الخلايا. تساعد بعض الخلايا T على تفعيل الخلايا B وخلايا T أخرى (غير ظاهرة بالشكل)، في حين تهاجم خلايا T أخرى الخلايا المُعْداة (المخموجة) مباشرة. وتولِّد الخلايا T و B خلايا «ذاكرة» memory تستطيع أن تتخلص بسرعة من غزاة واجهتهم سابقا.

 

وفي الحقيقة، لوحظ أن هذين السيتوكيْنَيْن يتحكمان في الاستجابة الالتهابية بدفعهما الخلايا المناعية للعمل. وإن لم يُكبح جماحهما، فإنهما يمكن أن يحرضا اضطرابات، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي rheumatoid arthritis، وهو مرض مناعي ذاتي autoimmune disease يتميز بفرط التهاب يؤدي إلى تخرب المفاصل. لذلك يعتقد الباحثون أن الحد من تأثيرات السيتوكَيْنَيْن TNF-a و IL-1 قد يبطئ من تفاقم المرض ويخفف من معاناة مرضى التهاب المفاصل. ولتصميم مثل هذه المعالجة، كان عليهم أن يعرفوا المزيد عن آلية عمل تلك الجزيئات. وقد كانت الخطوة الأولى تعرف الپروتينات التي تتآثر معها.

 

في عام 1988 اكتشف< J. سيمز> ورفاقه [من الشركة أميونكس في سياتل] پروتينا مستقبِلا يتعرف الإنترلوكين IL-1. وتتوضع هذه المستقبلة في أغشية العديد من خلايا الجسم، بما فيها البلاعم والخلايا التغصنية. يرتبط جزء المستقبلة البارز من الخلية بالإنترلوكين IL-1، في حين تعمل القطعة المتوضعة ضمن الخلية على نقل الرسالة التي اكتشفها الإنترلوكين IL-1. عمل <سيمز> على فحص الجزء الداخلي من مستقبلة IL-1 بدقة، بأمل العثور على مفاتيح لكيفية عمل الپروتين في نقل الرسالة ـ فقد تكشف مثلا عن جزيئات الإشارة التي يفعِّلها ضمن الخلايا. ولكن الجزء الداخلي لمستقبلة IL-1 البشرية لم يكن مشابها لأي مما ذكرته الدراسات سابقا. لذلك كان الأمر مُحبطا.

 

وبعد ذلك في عام 1991 اكتشف <.J.N گاي> [من جامعة كمبردج، وكان يعمل على مشكلة مختلفة تماما] شيئا غريبا. لقد كان يبحث عن پروتينات مشابهة لأحد پروتينات ذبابة الفاكهة ويدعى تول Toll. وكان الذي تعرّف الپروتين الغريب تول هو <Ch.نوسلاين-فولهارد> [من توبنگن في ألمانيا]، وقد أعطى الپروتين اسمه هذا لأن الذباب الذي يعوزه هذا الپروتين بدا غريبا (وكلمة Toll بالألمانية تعني الغريب weird). يساعد هذا الپروتين جنين ذبابة الدروسوفيلا النامي على أن يتمايز جزؤه العلوي عن جزئه السفلي، ويبدو الذباب بدون الپروتين تول ذا شكل غريب (مشوش) jumbled، كما لو كان فاقدا جوانبه.

 

بحث <گاي> في قاعدة المعلومات عن جميع تتاليات الجينات المعروفة حتى ذلك الوقت. لقد كان يبحث عن الجينات التي تتوافق تتالياتها sequences مع الپروتين تول، ومن ثم قد تكون هي المكودة لپروتينات شبيهة بالپروتين تول. وهكذا اكتشف أن جزءا من الپروتين تول يحمل تشابها قويا مع الجزء الداخلي لمستقبلة الإنترلوكين IL-1 البشري وهو الجزء الذي حير <سيمز>.

 

المستقبلات تول هي المسؤولة(******)

لقد وجد أن المستقبلات الشبيهة بالتول Toll-like receptors  (TLRs )M، التي يصنعها العديد من خلايا الجهاز المناعي الفطري، تحرك الاستجابة المناعية الفطرية وتؤدي دورا مهما في الاستجابة التلاؤمية. فعلى سبيل المثال تثير المستقبلة TLR4 هذه الدفاعات عندما تبدأ بكتيرات سالبة الگرام بالغزو. تقوم المستقبلة TLR4 بكشف الغزاة بارتباطها بمتعدد السكريد الشحمي LPS، وهو سكر تنفرد به البكتيرات السلبية الگرام. وبعد تعرف هذا السكريد LPS تقوم أزواج من المستقبلات TLR4 بالإشارة إلى أربعة جزيئات داخل الخلية هي MyD88 وMal و Tram و Trif، وهذه بدورها تطلق التآثر الجزيئي الذي يفعل في النهاية منظِّما رئيسيا للالتهاب (NF-kB). يعمل هذا المنظم على تشغيل الجينات التي تكود المفعلات المناعية، بما فيها السيتوكينات. تحرض هذه السيتوكينات (أقصى اليسار) الالتهاب كما تساعد على تفعيل الخلايا B و T التابعة للجزء التلاؤمي من الجهاز المناعي.

 

في البداية لم يكن هذا الاكتشاف مفهوما أو معقولا. لماذا يبدو أحد الپروتينات المساهمة في الالتهاب لدى البشر مماثلا لپروتين يقوم بتعريف أجنة الذباب على رأسها من قدمها؟ وبقي هذا الاكتشاف لغزا حتى عام 1996 عندما أظهر<A.J. هوفمان> ورفاقه [من معهد البحوث العلمية الوطني NRS في ستراسبورگ] أن الذباب يستعمل الپروتين تول ليدافع عن نفسه ضد العدوى الفطرية fungal infection. ويبدو أن لهذا الپروتين تول في الدروسوفيلا أدوارا متعددة، فهو يسهم في كل من النمو الجنيني والمناعة عند البالغين.

 

الديدان وبراغيث الماء وأنت(*******)

تتشابه مستقبلة الإنترلوكين IL-1 وپروتين تول في القطع المغمورة في داخل الخلية فقط، أما القطع المعرضة للمحيط الخارجي فتبدو مختلفة تماما. هذه الملاحظة دفعت الباحثين للبحث عن پروتينات بشرية تكون متشابهة بكاملها مع الپروتين تول. فالتطور يحفظ على نحو عام التصاميم التي تعمل جيدا ـ وإذا كان الپروتين تول يستطيع تواسط المناعة في الذباب، فقد تكون پروتينات مماثلة تقوم بالعمل نفسه لدى البشر.

 

واعتمادا على ما توصل إليه <هوفمان>، قام <R. ميدجيتوف> عام 1997، والراحل <A.Ch. جينواي> [من جامعة ييل]، باكتشاف أول هذه الپروتينات التي دعوها بالپروتينات تول البشرية. وخلال ستة أشهر أو نحو ذلك استطاع< F.بازان> ورفاقه [من الشركة DNAX في پالو ألتو بكاليفورنيا] أن يتعرفوا خمسة پروتينات تول بشرية ودعوها بالمستقبلات الشبيهة بالتول Toll-like receptors (TLRs)s. كان أحدها المستقبلة TLR4 وهي پروتين تول البشري نفسه الذي كان قد وصفه <ميدجيتوف> و<جينواي>.

 

وحتى تلك اللحظة، لم يكن الباحثون قد تعرفوا تماما الآلية التي يمكن لپروتينات TLRs أن تسهم بها في المناعة البشرية. فقد وجد <جينواي> أن حشو stuffing أغشية الخلايا التغصنية بپروتينات TLR4 يحض على إنتاج السيتوكينات. ولكنه لم يستطع أن يتوصل إلى الآلية التي تتفعل بها المستقبلة TLR4 خلال العدوى.

 

أتى الجواب في أواخر عام 1998، عندما وجد <B .بوتلر> ورفاقه [من معهد سكريپس في لاهويا بكاليفورنيا] أن الفئران الطافرة غير القادرة على الاستجابة للسكريد LPS تضم نسخة معيبة من المستقبلة TLR4. وفي حين أن الفئران السوية تموت من الإنتان sepsis خلال ساعة بعد حقنها بالسكريد LPS، تبقى الفئران الطافرة على قيد الحياة وتتصرف كما لو أنها لم تتعرض لهذا الجزيء على الإطلاق، وذلك يعني أن طفور جينة TLR4 يجعل هذه الفئران غير حساسة للسكريد LPS.

 

وقد أظهر هذا الاكتشاف أن المستقبلة TLR4 تتفعل عندما تتآثر مع السكريد LPS. فوظيفتها في الحقيقة هي تعرف السكريد LPS. ومثَّل هذا المفهوم اختراقا أكبر لحقل الإنتان، لأنه استطاع كشف الآلية الجزيئية التي تشكل أساس الالتهاب، كما قدم هدفا جديدا محتملا لعلاج اضطراب احتاج بشدة إلى معالجة فعالة. وخلال سنتين، حدد الباحثون أن معظم المستقبلات TLRs ـ التي عرف منها عند البشر حتى الآن 10 ـ تتعرف جزيئات مهمة لبُقْيا البكتيرات والڤيروسات والفطور والطفيليات. ترتبط المستقبلة TLR2 بحمض الليپوتيكوئيك lipoteichoic acid، وهو أحد مكونات جدار الخلية البكتيرية. أما المستقبلة TLR3 فتتعرف المادة الجينية للڤيروسات، وتقوم المستقبلة TLR5 بتعرف الفلاجلين flagellin وهو الپروتين الذي يشكل الأذيال شبه السوطية whiplike tails التي تستعملها البكتيرات للسباحة، أما المستقبلة TLR9 فتتعرف تتالية جينية مهمة تعرف بتتالية CpG وتوجد في البكتيرات والڤيروسات بامتدادات طويلة وعلى نحو يجعلها متميزة كيميائيا من تتاليات CpG في دنا DNA الثدييات.

 

وقعت ذبابة الفاكهة التي ينقصها الپروتين تول Toll فريسة لعدوى فطرية منتشرة. في الصورة تغطي الأبواغ كامل جسم الذبابة كمعطف من الفرو (يبدو الرأس أسفل يمين الشكل). وهذه النتائج التي نشرت عام 1996، كانت أول المؤشرات إلى أن ذبابة الفاكهة تحتاج إلى الپروتينات تول لحمايتها من الأمراض.

 

من الثابت أن المستقبلات TLRs قد تطورت لتتعرف وتستجيب لجزيئات هي مكونات أساسية في العوامل الممرضة. قد يؤدي نزع أي من هذه المكونات أو تغييرها كيميائيا إلى إحداث عجز في العامل الممرض، وهذا يعني أن يصبح الكائن الممرض غير قادر على تفادي المستقبلات TLRs بوساطة الطفور، إلا إذا أصبحت هذه المكونات غير قابلة لتعرّفها. ولأن العديد من هذه المكونات يتشارك في تشكيلة من الميكروبات، فإن 10 فقط من المستقبلات TLRs قادرة على أن تحمينا من جميع العوامل الممرضة المعروفة تقريبا.

 

لا تنحصر المناعة الفطرية في البشر فقط. في الواقع إن هذا الجهاز قديم جدا. فالذباب لديه استجابة مناعية فطرية وكذلك نجم البحر starfish وبراغيث الماء water fleas وتقريبا معظم الكائنات التي جرت دراستها حتى الآن. ويستعمل العديد منها المستقبلات TLRs لإطلاق المناعة. فالدودة الخيطية nematode worm لها واحدة من المستقبلات TLRs تسمح لها باستشعار البكتيرات المُعدية والسباحة بعيدا عنها. كما ينتشر العديد من المستقبلات TLRs في النباتات؛ إذ يحوي نبات التبغ واحدة منها تدعى الپروتين N N Protein، الذي يحتاج إليه النبات لمحاربة ڤيروس فسيفساء التبغ tobacco mosaic virus. وتحوي عشبة الأرابيدوپسيس Arabidopsis أكثر من 200 منها. ويرجح أن أول پروتين مشابه للپروتين تول ظهر في كائن وحيد الخلية اعتبر السليف العام common ancestor للنباتات والحيوانات. وقد تكون هذه الجزيئات ساعدت على تسهيل تطورنا evolution. فبدون وسائط فعالة للدفاع ضد العدوى كان من الممكن ألا تبقى الكائنات متعددة الخلايا على قيد الحياة.

 

مهاجمة القلعة(********)

فيما مضى، كان يُعتقد أن الجهاز الفطري ليس أكثر تعقيدا وإحكاما من جدار قلعة. واعتقد الباحثون أن الفعل الحقيقي يحصل بمجرد اختراق ذلك الجدار واشتباك القوات في الداخل ـ أي الخلايا B و T. ونحن نعلم حاليا أن جدار القلعة مجهز بحراس ـ الپروتينات TLRs ـ قادرين على تعرف الغازي وتشغيل جرس الإنذار لتحريك القوات ولتحضير الصفيف من الدفاعات اللازم لصد الهجوم تماما. وبتعبير آخر تعمل المستقبلات TLRs على إطلاق كل من الجهازين المناعيين الفطري والتلاؤمي.

 

ويبدو أن الصورة البازغة تكون على هذا المنوال. عندما يدخل العامل الممرض إلى الجسم، فإن واحدا أو أكثر من الپروتينات TLRs، مثل تلك التي توجد على سطح البلاعم أو الخلايا التغصنية، تتشبث بالجزيئات الغريبة مثل السكريد LPS الخاص بالبكتيرات السالبة الگرام. وبمجرد ارتباطها بها تعمل الپروتينات TLRs على تحريض الخلايا على إطلاق أطقم سيتوكينات معينة. وتعمل هذه المراسيل الپروتينية على تجنيد المزيد من البلاعم والخلايا التغصنية وغيرها من الخلايا المناعية لتتصدى وتشن هجوما لانوعيّاً nonspecifically على الميكروب الغازي. وفي الوقت نفسه تستطيع السيتوكينات المحررة من جميع تلك الخلايا الناشطة أن تحدث الأعراض التقليدية للعدوى، بما فيها الحمى والأعراض المشابهة للإنفلونزا.

 

تعمل البلاعم والخلايا التغصنية التي قطّعت العامل الممرض، على عرض أجزاء منه على سطحها، مع غيرها من الجزيئات، في إشارة إلى وجود عامل ممرض. ويعمل هذا العرض إضافة إلى السيتوكينات المتحررة استجابة للمستقبلات TLRs، على تفعيل الخلايا T و B التي تتعرف هذه الأجزاء، وهذا يُحدث ـ على مدى أيام ـ تكاثرها ومن ثم شنها هجوما قويا مركَّزا على ذلك الغازي بالذات. وبدون التأثير التحضيري الذي أحدثته المستقبلات TLRs، لم يكن للخلايا B و T أن تعمل ولا كان بإمكان الجسم أن يصل إلى استجابته المناعية القصوى، ولا أن يحتفظ الجسم بأي ذاكرة للعداوى السابقة.

 

وظائف المستقبلات الشبيهة بالتول(*********)

يمكن لكل مستقبلة من المستقبلات الشبيهة بالتول أن تكشف بعض المكونات الأساسية لمجموعة كبيرة من العوامل المسببة للمرض، وكمجموعة، تستطيع المستقبلات TLRs أن تتعرف تقريبا كل عامل ممرض قادر على إحداث العداوى (الأخماج). تظهر توليفات combinations مختلفة في أنواع متباينة من الخلايا، إذ تعمل الجزيئات على شكل أزواج. لقد استطاع الباحثون تحديد 10 من المستقبلات TLRs لدى البشر، كما عرفوا العديد من الجزيئات التي تتعرفها هذه المستقبلات (في الأسفل). ومازالت وظيفة المستقبلة TLR10 وشركاء المستقبلات TLR3 و5 و7 و8 و9 غير معروفة.

 

بعد أن تحصل العدوى البدئية، تُخَلِّف وراءها خلايا ذاكرة B و T تستطيع التعامل بفاعلية أكبر مع الغازي إذا عاد للهجوم مرة أخرى. يستطيع هذا الجيش من خلايا الذاكرة العمل بسرعة، إذ يمنع حصول الالتهاب تماما. وهكذا لا يشعر الشخص الضحية بأنه مريض، وقد لا يلاحظ أصلا أنه أصيب بالعدوى مرة أخرى.

 

وهكذا فإن المناعتين الفطرية والتلاؤمية تشكلان جزءا من جملة واحدة هدفها تعرف الميكروبات والتخلص منها. والتفاعل بين هذين الجهازين هو الذي يجعل جهازنا المناعي قويا.

 

اختر سلاحك(**********)

من أجل فهم آلية تحكم المستقبلات TLRs في الفاعلية المناعية، يحتاج علماء المناعة إلى تعرف الجزيئات التي تنقل الإشارات من المستقبلات TLRs المفعَّلة على سطح الخلية إلى النواة، وتطلق الجينات التي تكود encode السيتوكينات وغيرها من المفعلات activators المناعية. وهناك العديد من الباحثين حاليا يجرون مثل هذه الأبحاث على نحو مكثف، وقد استطعنا حتى الآن التوصل إلى اكتشافات رائعة.

 

نحن نعرف حاليا أن المستقبلات TLRs، مثل غيرها من المستقبلات التي تتوضع على سطوح الخلايا، تحتاج إلى تجنيد خط طويل من پروتينات الإشارة التي تحمل رسالة المستقبلات إلى النواة، فهي تشبه بذلك سلسلة من الأشخاص تتعاون في إطفاء حريق بإمرار دلاء الماء من يد إلى يد. ترسل جميع المستقبلات TLRs، باستثناء المستقبلة TLR3، إشاراتها إلى پروتين مهايئ adapter يدعى MyD88. أما ما هي الپروتينات الأخرى التي تسهم في الإرسال، فأمر يختلف بحسب المستقبلة TLR: لقد درسنا في مختبري الپروتينَ Mal، وهو پروتين اكتشفنا أنه يعمل على حمل الإشارات التي تولدها المستقبلتان TLR4 و TLR2. تتطلب المستقبلة TLR4 أيضا پروتينين آخرين لمتابعة الإشارة، هما Tram وTrif؛ في حين تعتمد المستقبلة TLR3 على الپروتين Trif فقط. لقد أظهر <Sh .أكيرا> [من جامعة أوزاكا في اليابان] أن الفئران التي تمت هندستها وراثيا لتصبح غير قادرة على إنتاج بعض من پروتينات الإشارة الوسيطة هذه، لا تستجيب للنواتج الميكروبية، وهذا يوحي بأن تكون الپروتينات المرافقة للمستقبلة TLR قادرة على تقديم أهداف جديدة للعلاجات المضادة للالتهاب أو المضادة للميكروبات.

 

يسمح التآثر مع مختلف مجموعات پروتينات الإشارة للمستقبلات TLRs بأن تفعّل مجموعات مختلفة من الجينات التي تشحذ استجابة الخلايا بحيث تلائم نوع العامل الممرض الذي تواجهه على النحو الأفضل. فعلى سبيل المثال يتحسس كل من المستقبلتين TLR3 وTLR7 وجود الڤيروسات؛ ومن ثم تحرضان سلسلة من التآثرات الجزيئية التي تحرض بدورها إنتاج الإنترفيرون وتحريره. ونشير إلى أن الإنترفيرون هو السيتوكين الأهم المضاد للڤيروسات. وتعمل المستقبلة TLR2 التي تنشطها البكتيرات، على تحريض إطلاق مزيج من السيتوكينات التي لا تضم الإنترفيرون ولكنها أكثر ملاءمة لتفعيل استجابة جسدية فعالة مضادة للبكتيرات.

 

وإدراك أن المستقبلات TLRs يمكنها كشف النواتج الميكروبية المختلفة والمساعدة على «تفصيل» tailoring الاستجابة المناعية بحيث تقاوم العدو الغازي، يؤدي إلى قلب المفاهيم والافتراضات التي طال اعتمادها، والتي تقول بأن المناعة الفطرية هي مجرد حاجز ثابت عديم التمييز. وهي في الحقيقة جهاز دينامي يتحكم تقريبا في كل مظهر من مظاهر الالتهاب والمناعة.

 

من الفَيْلَقِيَّة إلى الذَّأَب(***********)

بعد معرفة الدور المركزي الذي تؤديه المستقبلات TLRs في استهلال الاستجابات المناعية، خامر الباحثين مباشرة شعور بأن نسخا من هذه المستقبلات سواء كانت فعالة أو مقيدة، يمكنها أن تسهم في العديد من الاضطرابات المُعْدية المرتبطة بالمناعة. وقد تأكدت صحة هذا الرأي. فالعيوب في جهاز المناعة الفطري تؤدي إلى حساسية أكبر للڤيروسات والبكتيرات. والأشخاص الذين لديهم الشكل الأقل فاعلية من المستقبلة TLR4 مثلا يكون لديهم الاستعداد للإصابة بالعداوى البكتيرية الشديدة أكبر بخمس مرات ولمدة خمس سنوات، من الأشخاص ذوي المستقبلة TLR4 السوية؛ والأشخاص الذين يموتون من الإصابة بداء المحاربين القدماء(2) Legionnaire's disease غالبا ما يحملون طفرة في المستقبلة TLR5 تعطلها، فتعطل الاستجابة المناعية الفطرية لديهم وتجعلهم غير قادرين على محاربة بكتيرة الليجيونيلا Legionella. ومن ناحية أخرى قد تكون الاستجابة المناعية الشديدة القوة مدمِّرة أيضا بالقدر نفسه. ففي الولايات المتحدة وأوروبا فقط يموت أكثر من 000 400شخص سنويا من الإنتان sepsis، الذي ينجم عن استجابة مناعية مفرطة النشاط حرضتها المستقبلة TLR4.

 

تشير دراسات أخرى إلى دور المستقبلة TLRs في الأمراض المناعية الذاتية مثل الذَّأَب الحمامي الجهازي systemic lupus erythematosus والتهاب المفاصل الروماتويدي. ففي هاتين الحالتين، قد تستجيب المستقبلات TLRs لنواتج الخلايا المتخربة، مولدة استجابة التهابية غير ملائمة ومحرضة لتفاعلات غير موجهة، يقوم بها الجهاز المناعي التلاؤمي. ففي الذّأب ـ على سبيل المثال ـ وجد أن المستقبلة TLR9 تتفاعل مع دنا الجسم نفسه.

 

يمكن للمناعة الفطرية والمستقبلات TLRs أن تؤديا دورا في أمراض القلب، إذ يبدو الأشخاص ممن يحملون طفرة في المستقبلة TLR4 أقل عرضة لحصول مرض قلبي وعائي لديهم. وقد يؤدي تحييد المستقبلة TLR4 إلى حماية القلب، إذ يبدو أن الالتهاب يسهم في تشكيل اللويحات التي تسد الشرايين التاجية coronary arteries. ولذلك قد تشكل منابلة المستقبلة TLR4 مقارَبَة أخرى لمنع حصول هذه الحالة أو الحد منها.

 

براغيث مِتْشْنِكوف(************)

تعود اكتشافات الپروتين تول وپروتينات المستقبلات الشبيهة بالتول TLRs إلى خط طويل من الأبحاث بدأ قبل أكثر من 100 عام عندما اكتشف بيولوجي روسي يدعى<I. متشنكوف> المناعة الفطرية (الخلقية) innate. ففي أوائل الثمانينات اقتلع متشنكوف بعض الأشواك من شجرة يوسفي tangerine وغرسها في يرقة نجمة البحر starfish larva. في الصباح التالي شاهد الأشواك محاطة بخلايا متحركة. اعتقد حينئذ أن الخلايا المتحركة كانت تمارس عملية ابتلاع البكتيرات التي أُدخلت مع إدخال الأجسام الغريبة. وقد اكتشف بعد ذلك أن براغيث الماء (دافنيا Daphnia) المعرضة لأبواغ فطرية تبدي استجابة مماثلة. وكانت عملية البلعمة phagocytosis هذه هي حجر الزاوية في المناعة الفطرية، وقد نال <متشنكوف> على هذا الاكتشاف جائزة نوبل عام 1908.

كان <متشنكوف> ذا شخصية متميزة غريبة الأطوار. وقد حصل على جائزة نوبل عندما كان يعمل في معهد باستور.

 

ضبط الحجم(*************)

يبدي العديد من الشركات الصيدلانية الكبيرة اهتماما باستعمال المستقبلات TLRs وپروتينات الإشارة المرافقة لها كأهداف لأدوية يمكن أن تعالج العداوى والاضطرابات المتعلقة بالمناعة. ومع انتشار المقاومة للمضادات الحيوية، ومع ظهور ڤيروسات جديدة ذات فوعة virulence أكبر، والتهديد المتصاعد بالإرهاب الحيوي bioterrorism، أصبحت الحاجة إلى التوصل إلى طرق حديثة تساعد أجسامنا على قهر العدوى أكثر إلحاحا.

 

قد يقود العمل على المستقبلات TLRs ـ على سبيل المثال ـ إلى تطوير لقاحات أكثر فاعلية وأكثر أمانا. تعتمد معظم اللقاحات على اشتمالها على مادة مساعدة adjuvant تستهل الاستجابة الالتهابية، التي بدورها تدفع بفاعلية الجهاز التلاؤمي لتوليد خلايا الذاكرة المطلوبة. إن المادة المساعدة المستعملة حاليا في معظم اللقاحات، لا تستطيع تحريض استجابة تلاؤمية كاملة، وبدل ذلك تعمل على إنتاج أعداد أكبر من الخلايا B على حساب الخلايا T. وللحصول على استجابة أقوى، وجه العديد من الشركات أنظاره باتجاه المركبات التي تفعّل المستقبلة TLR9، وهي مستقبلة تتعرف طيفا واسعا من البكتيرات والڤيروسات وتقود استجابة مناعية قوية.

 

وتُعلمنا المستقبلات TLRs كيف ندافع عن أنفسنا ضد الأسلحة البيولوجية مثل ڤيروسات الجدري poxviruses. تستطيع هذه الڤيروسات ـ التي تمثل عنصرا أساسيا في مستودع أسلحة الإرهابيين الحيويين ـ أن تعطل المستقبلات TLRs، ومن ثم يصعب كشفها والتخلص منها. وقد وجدنا في مختبري بالمشاركة مع <.L.G سميث> [من الكلية الإمبراطورية في لندن] أنه بنزع الپروتين الڤيروسي الذي يعطل المستقبلات TLRs، نستطيع أن نولد ڤيروسا مضعفا يمكن أن يشكل أساسا لبناء لقاح غير قادر على تحريض عدوى بالجدري مميتة غير مقصودة.

 

وبعد أن تسلّحوا بفهم المستقبلات TLRs والمناعة الفطرية، قد يستطيع الأطباء التنبؤ بأي من المرضى ستسوء حالته خلال العدوى، بحيث يعالجونه بطريقة أكثر هجومية. على سبيل المثال، إذا أتى المرضى إلى العيادة بشكوى عدوى بكتيرية ووجدت لديهم طفرة في المستقبلات TLR4 عندها يستطيع الطبيب أن يعالجهم إما بالمضادات الحيوية على نحو مكثف أو بعوامل يمكن أن تدعم استجابتهم المناعية لكي تحول دون إحداث العدوى تلفا دائما.

 

بالطبع، ينبغي أن نحقق توازنا بين تحريض استجابة مناعية تكفي للتخلص من الميكروب وبين تسريع استجابة التهابية تسبب أذى أكثر مما تؤمن فائدة. وعلى نحو مشابه يجب ألا تعمل المعالجات، التي تهدف إلى تخفيف الالتهاب عبر قمع فاعلية المستقبلة TLR وتحرير السيتوكين، على الحد من دفاع الجسم ضد العدوى في الوقت نفسه.

 

وتقدم لنا الأدوية المضادة للالتهاب، التي تتداخل مع الپروتين TNF-alpha ـ وهو أحد الستيوكينات التي تُنتَج نتيجة تفعيل المستقبلة TLR4 ـ مثالا تحذيريا: يتراكم الپروتين TNF-alpha الناجم عن الالتهاب والعدوى في مفاصل مرضى التهاب المفاصل الروماتويدي. وتعمل المركبات المضادة للالتهاب على تسكين التهاب المفاصل، إلا أن تناول بعض الأشخاص لها قد يؤدي إلى ظهور السل tuberculosis لديهم. قد تكون هذه العدوى كامنة ولكن كبح الاستجابة الالتهابية يمكن أيضا أن يسبب إخماد الاستجابات النوعية للعامل الممرض، ومن ثم يسمح للبكتيرة بالظهور من جديد.

 

المستقبلاتTLRs  كأهداف للأدوية (*************)

 

باختصار، تشبه المستقبلات TLRs زر التحكم في الصوت بجهاز الستيريو؛ فهي تعمل على إحداث التوازن بين المناعة التلاؤمية والالتهاب. ويعمد الباحثون والشركات الصيدلانية حاليا إلى البحث عن طرق لتعديل أزرار التحكم هذه، بحيث يمكنها الحد من الالتهاب بدون تعطيل المناعة.

 

لم نكن نسمع أي شيء عن المستقبلات TLRs قبل سبع سنوات. ولقد حقق الباحثون تقدما كبيرا في فهم الدور المركزي الذي تؤديه هذه الپروتينات كخط دفاع أول في الجسم، وبذلك أصبحت تلك المناعة الفطرية التي غلفها النسيان مدة طويلة، فجأة فاتنة الساحة.

 


المؤلف

Luke A. J. O'Neil

حصل على الدكتوراه في علم الأقرباذين Pharmacology من جامعة لندن عام 1985 على بحوث أجراها على الأنترلوكين 1 (وهو سيتوكين يحرض الالتهاب). وهو أستاذ باحث في منظمة العلوم الإيرلندية، ورئيس قسم الكيمياء الحيوية في كلية ترينيتي بدبلن، ومؤسس الشركة الدوائية أوپسونا ثيراپيوتيكس، وهي شركة تطوير أدوية في دبلن.


مراجع للاستزادة 

Innate Immunity. Ruslan Medzhitov and Charles Janeway in New England Journal of Medicine, Vol. 343, No. 5, pages 338-344; August 3, 2000.

Inferences, Questions and Possibilities in Toll-like Receptor Signaling. Bruce Beutler in Nature, Vol. 430, pages 257-263; July 8, 2004.

Toll-like Receptor Control of the Adaptive Immune Responses. Akiko Iwasaki and Ruslan Medzhitov in Nature Immunology, Vol. 5, No. 10, pages 987-995; October 2004.

TLRs: Professor Mechnikov, Sit on Your Hat. L. A. J. O'Neill in Trends in Immunology, Vol. 25, No. 12, pages 687-693;December 2004.

Scientific American, January 2005

 


(*) IMMUNITY'S EARLY - WARNING SYSTEM

(**) Overview/ Innate Immunity

(***) Cinderella Immunity

(****) Weird Protein

(*****) The Division of The Immune System

(******) Tols In Charge

(*******) Worms, Water Fleas and You

(********) Storming the Castle

(*********) The Jobs of Toll-like Receptors

(**********) Choose Your Weapon

(**********) From Legionella to Lupus

(***********) Mechnikovis Fleas

(************) Volume Control

(*************) TLRs as Drug Targets

 


(1) Toll-like receptors

(2) مرض يصيب الرئة تحدثه البكتيرة Legionella pneumophila. أطلق عليه اسم داء المحاربين القدماء بعد أن تفشى في مؤتمر المحاربين القدماء في پنسلڤانيا عام 1976. (التحرير)

 

HyperLink