Logo Solgn
عن المؤسسة اتصل بنا
 
 
 
 
 
 
HyperLink أغسطس - سبتمبر2004 / المجلد 20 HyperLink

  New Page 1

 

وأخيرا كوكب زحل(*)!

بعد رحلة استغرقت سبع سنوات، تتأهب السفينة الفضائية كاسيني-هويگنز للكشف

 عن أسرار كوكب زحل وحلقاته وقمره العملاق تيتان.

<I .J. لوناين>

 

في الصباح الباكر من يوم 15/10/1997، عندما كنت واقفا في الظلام على ضفة خليج صغير يعج بالتماسيح، قرب كيب كاناڤيرال بفلوريدا، شاهدت مع آلاف الأشخاص انبعاث لهب صغير تحت صاروخ مُضاء بأنوار ساطعة على منصة إطلاق تبعد عنا عدة أميال. ولم يكن مرئيا سوى الذيل الناري لمعزّز الصاروخ خلال ارتفاعه عبر سحابة كَنَهْوريّة(1) cumulus. بعد ذلك، اتخذ الصاروخ مسارا فوق المحيط متجها إلى الفضاء. لقد وضعت أعقد سفينة فضائية إنسالية robotic جرى بناؤها حتى الآن، وهي السفينة المدارية كاسيني Cassini والمسبار هويگنز Huygens المتصل بها، في أعلى مركبة الإطلاق، وكان ينتظرها سبع سنوات من السفر بين الكواكب. وقد بدأتُ الانخراط في التخطيط لهذه البعثة عندما كنت طالب دراسات عليا، وكان عليّ الانتظار إلى أن أصبح في منتصف حياتي المهنية لأرى البعثة في أَوْجِها، وهي التي تمثل أول عملية استكشاف طويلة الأجل لمنظومة كوكب زحل.

 

في الشهر7/2004، من المتوقع أن تدخل السفينة الفضائية كاسيني-هويگنز في مدار حول زحل، الذي يشغل المرتبة الثانية في الكبر بين كواكب المنظومة الشمسية. كان الباحثون ينتظرون بشغفٍ هذا اليوم منذ أن بدأت بعثات الطيران المنخفض ـ پايونير 11 وڤويجر 1 وڤويجر 2 ـ تثير اهتمامهم بزحل منذ أكثر من 20 عاما. ومع أن هذا الكوكب أصغر من المشتري، وأن سطحه أقل إثارة من حيث مظهره، فقد يحمل زحل مفاتيحَ حل الألغاز الحيوية المتعلقة بنشوء وتطور جميع الكواكب الغازية العملاقة. وتحوي حاشية زحل من الأقمار 30 ساتلا جليديا، وجرما ذا حجم كوكبي، هو تيتان Titan، الذي يحيط به غلاف جوي كثيف طالما أثار فضول العلماء، لأنه قد يكشف عن كيفية نشوء الحياة على الأرض. ويرغب الباحثون أيضا في استكشاف طريقة تكوّن حلقات زحل، وكيف يُؤثر الحقل المغنطيسي القوي لزحل في الأقمار الجليدية وفي الغلاف الجوي العلوي لتيتان.

 

يأمل العلماء أن تكرّر كاسيني-هويگنز نجاح السفينة الفضائية گاليليو، التي أحدثت ثورة في فهمنا للمشتري وتوابعه خلال سنواتها الثماني التي أمضتها في دورانها حول المشتري. بيد أن ثمة اختلافات جوهرية بين هاتين البعثتين اللتين أَطلقتا إلى كوكبين خارجيين. ففي حين أطلقت گاليليو مسبارا لدراسة جو المشتري، فإن السفينة المدارية كاسيني سترسل المسبار هويگنز إلى تيتان، لا إلى زحل. وخلافا لگاليليو، فإن السفينة الفضائية كاسيني-هويگنز هي حصيلة جهود دولية حقيقية: فمع أن الوكالة ناسا NASA هي التي بنت السفينة المدارية كاسيني وهي التي تديرها، فإن وكالة الفضاء الأوروبية إيسا ESA هي التي أنتجت المسبار هويگنز، ثم إن الفِرق العلمية التي أعدّت جميع آلات السفينة الفضائية تضم باحثين أوروبيين وأمريكيين.

 

ولادة بعثة(**)

لقد كان زحل يبدو دائما أكثر غموضا من المشتري، إذ إن المسافة التي تفصله عن الشمس تعادل تقريبا ضعف المسافة التي تفصل المشتري عنها ـ أي 1.4 بليون كيلومتر مقابل 780 مليون كيلومتر. ولدى مقارنته بالمشتري، نرى أن لزحل عددا أقل من الأحزمة والمناطق المرئية التي توضح أنماط الرياح في غلافه الجوي. والكرة المغنطيسية لزحل ـ وهي المنطقة التي يسودها الحقل المغنطيسي للكوكب ـ أهدأ كثيرا من نظيرتها في المشتري، التي تسبب ضجيجا راديويا يمكن اكتشافه بسهولة من الأرض. وفي عام 1943 اكتشف الفلكيون غلافا جويا حول تيتان، لكن لم يكن يُعرف عنه وعن أجواء أقمار زحل الأخرى سوى القليل، إلى أن حل عصر الفضاء. وبالنسبة إلى الفلكيين المتحمسين الذين يستعملون أجهزة أرضية، كان زحل هو النظير الهادئ والغامض للمشتري الذي لا يُخفي عنفه؛ وكان زحل يمثل لهؤلاء جرما طافيا في عالم بعيد قارس البرودة.

 

إن هبوط المسبار هويگنز عبر الغلاف الجوي الكثيف المحيط بتيتان، أكبر أقمار زحل، سيكون أحد الأحداث المهمة في بعثة كاسيني-هويگنز، التي ستصل إلى هذا القمر قريبا. وتحليل المواد الكيميائية العضوية في الغلاف الجوي لتيتان وعلى سطحه قد يميط اللثام عن كيفية نشوء الحياة على أرضنا قبل بلايين السنين.

 

كانت أول سفينة فضائية زارت زحل، پايونير 11، مسبارا بسيطا نسبيا طار على ارتفاع منخفض فوق المشتري عام 1974، ثم انطلق بأقصى سرعة متجاوزا زحل عام 1979. وقد اكتشفت آلات تلك السفينة حلقة لم تكن معروفة من قبل (الحلقة F)، وقاست عن بعد خاصيات الغلاف الجوي لهذا العملاق الغازي، وعينت قوة وشكل حقله المغنطيسي. كانت سفينتا الفضاء ڤويجر 1 وڤويجر 2، اللتان طارتا على ارتفاع منخفض فوق منظومة زحل، الأولى عام 1980 والثانية عام 1981، تحملان أنظمة تصوير ومطاييف أكثر حساسية. وقد اكتشفتا بنيً غير متوقعة في حلقات زحل ـ وهي خطوط شعّية radial مظلمة تنتشر عبر الحلقات، مثل الأسلاك التي تنتشر من مركز دولاب سيارة ـ بيد أنها تتكون نتيجة الإثارة الكهرمغنطيسية للغبار فوق مستوى الحلقات. وقد دلّت هذه الظاهرة وقياسات أخرى على أن الحلقات مكوّنة من أجسام، الكبير منها بحجم صخرة كبيرة والصغير منها بحجم جسيمات غبار دقيقة.

 

لقد صورت ڤويجر 1 وڤويجر 2 أيضا أجزاء من سطوح كثير من التوابع الجليدية لزحل، التي أظهرت درجات متغيرة من الذوبان ومن إعادة تكوين السطوح. لكن تيتان هو الذي زودنا بأكثر الاكتشافات إثارة وقابلية للجدل. وقد طارت ڤويجر 1 على ارتفاع منخفض جدا من القمر، إذ لم يفصل بينهما سوى 4000 كيلو متر؛ وتيتان يشغل المرتبة الثانية في الكبر بين أقمار المنظومة الشمسية (بعد گانيميد Ganymede: قمر المشتري). ومع أن الضباب البرتقالي الكثيف المحيط بتيتان منع آلة تصوير السفينة من رصد أي سمات على سطحه، فإن آلات أخرى قاست درجة حرارة غلافه الجوي وضغطه، وخلصت إلى أن النتروجين هو أكثر الغازات غزارة يليه غاز الميثان.

 

تمثل السفينة المدارية كاسيني، التي تحمل المسبار هويگنز،

إحدى كبرى السفن الفضائية الكوكبية التي بُنيت حتى الآن.

بينت السفينة الفضائية أن دينامية الغلاف الجوي لتيتان قريبة جدا من دينامية الغلاف الجوي للأرض. فالنتروجين يغلب في كلا الغلافين الجويين، لكن الميثان يؤدي على سطح تيتان الدور الرصدي(2) الذي يؤديه الماء على سطح الأرض. ثم إن الميثان يقع في قلب التفاعلات الكيميائية العضوية، التي تبدأ في الغلاف الجوي العلوي لتيتان بتحطيم جُزيئاته molecules بفعل الإشعاع فوق البنفسجي الصادر عن الشمس. ويعتقد العلماء أن هذه الدورة الجوية قد تتضمن انهمار هدروكربونات سائلة يمكنها التجمع في بحيرات أو محيطات على سطح القمر. هذا وإن درجة حرارة سطحه ـ نحو 179 درجة سيلزية (مئوية) ـ أخفض جدا من أن يتكون عليه ماء سائل، لكن الظروف ملائمة تماما لتكوّن برك من الهدروكربونات السائلة. ومن المحتمل ألا تكون الحياة، كما نعرفها، نشأت على تيتان، لكن إجراء تحليل للدورات الكيميائية العضوية على هذا القمر، قد يوفر مفاتيح لحل الألغاز المتعلقة بكيفية نشوء الحياة في التاريخ المبكر للأرض.

 

شجعت نتائجُ ڤويجر الباحثين على التفكير في إيجاد سفينة مدارية قادرة على إجراء بحث مستفيض لنظام زحل. بيد أنه في أوائل الثمانينات كان تمويل عمليات الاستكشاف الكوكبي محدودا، ومن ثم بدأ المسؤولون في الوكالتين «ناسا» و «إيسا» بالنظر في دمج مصادرهما. وفي عامي 1982 و 1983 جرت لقاءات بين فرق من العلميين الأوروبيين والأمريكيين لوضع خطط لقيامهم في المستقبل بعمليات استكشاف مشتركة للمنظومة الشمسية، وكان إرسال بعثة إلى منظومة زحل يشغل موقعا متقدما في قائمة مشروعاتهم.

 

رحلة مذهلة(***)

مع أنه كان واضحا أن المركبة الرئيسية لبعثة زحل ستكون سفينة مدارية تدور في فلك حول منظومة زحل، لدراسة الغلاف الجوي للكوكب وحلقاته وأقماره وكرته المغنطيسية، فإن النقاش كان يتركز على السؤال التالي: أيجب إسقاط المسبار الجوي على زحل، أم على تيتان، أم على كلا الجُرمين؟ لما كان الخيار الأخير مكلفا جدا، فقد اختار المخططون في نهاية المطاف تيتان، وذلك بسبب المكتشفات المثيرة المتعلقة بغلافه الجوي، التي توصلت إليها ڤويجر. وبحلول عام 1985 تقدّمت الوكالة إيسا بتصاميم جديدة تماما لمسبار دخول يمكنه اجتياز الغلاف الجوي الكثيف لتيتان، مع أنه ذو ثقالة منخفضة. وقد أطلق مسؤولو الوكالة في النهاية على هذا المسبار اسم «هويگنز»، نسبة إلى فلكي القرن السابع عشر الهولندي <كريستيان هويگنز> الذي اكتشف تيتان. أما السفينة المدارية، التي بُنيت في مختبر الدفع النفاث في پاسادينا بكاليفورنيا، فقد أخذت اسمها من فلكي القرن السابع عشر الفرنسي ـ الإيطالي <جان دومينيك كاسيني>، الذي اكتشف أربعة من أقمار زحل، وقسمًا جوهريًا من حلقاته. إن التكلفة الإجمالية لإنجاز البعثة ـ وهي تربو على 3 بلايين دولار، سدد الأوربيون 25 في المئة منها ـ عالية مقارنة بمعظم البعثات الكوكبية، لكنها قريبة من تكلفة برامج ضخمة أخرى مثل مقراب هبل الفضائي.

 

تٌشكّل السفينة المدارية كاسيني والمسبار هويكنز معا أكبر وأثقل سفينة فضائية كوكبية بنيت حتى الآن؛ وتحمل كاسيني على متنها 12 جهازا علميا، كما يحمل هويگنز 6 أجهزة [انظر الإطار في الصفحة 20]. وعندما تكون السفينة كاسيني ـ هويگنز مملوءة بالوقود، يبلغ وزنها 5500 كيلوغرام، ثم إن طولها يبلغ 6.8 متر. وبسبب اضطرار كاسيني قطع مسافة تعادل قرابة ضعف المسافة التي سارتها گاليليو، فقد تطلبت نظام اتصالات وهوائيا أكبر وأمتن بكثير (من إنتاج وكالة الفضاء الإيطالية)، وكميات أكبر من الوقود اللازم للمناورة، وقدرا أكبر من الطاقة الكهربائية. ومثلما هي الحال في گاليليو، فإن كاسيني مزودة بالطاقة الناجمة عن التفكك الطبيعي لعنصر الپلوتونيوم المشع، الذي يولد حرارة تُحوّل إلى كهرباء.

 

نظرة إجمالية / البعثة إلى زحل

▪ بدخول السفينة الفضائية كاسيني ـ هويگنز هذه السنة في مدار حول زحل فإنها تستهل دراسة مدتها أربع سنوات للغلاف الجوي لهذا الكوكب وأقماره وحلقاته وحقله المغنطيسي، وقد أطلقت هذه السفينة في عام 1997.

▪ في الشهر12/2004، سترسل السفينة المدارية كاسيني المسبار هويگنز باتجاه تيتان أكبر أقمار زحل. وخلال هبوط المسبار الذي يستغرق ثلاث ساعات، سيدرس الغلاف الجوي لتيتان وسطحه الذي قد يكون مغطى ببحور أو بحيرات من الهدروكربونات السائلة.

▪ إن تسليط البعثة الضوء على العمليات التي تولّد أجواء الكواكب وسطوحها وحلقاتها يبشر بإحداث ثورة في فهمنا للمنظومة الشمسية.

 

ومع أنه جرى إطلاق كاسيني ـ هويگنز بوساطة أقوى صاروخ غير مأهول صُنع حتى الآن ـ وهو الصاروخ المعزز Titan 4B ذو المرحلة العليا Centaur، الذي بناه سلاح الجو الأمريكي ـ فقد كان وزن السفينة الفضائية الكبير جدا يَحول دون إرسالها إلى زحل مباشرة. ومثلما جرى في بعثات سابقة إلى المنظومة الشمسية الخارجية، اكتسبت كاسيني السرعة اللازمة لها عبر سلسلة من عمليات الدعم الثقالي ـ وهي مناورات تسرّع حركة السفن الفضائية عن طريق أرجحتها(3) بالقرب من أحد الكواكب. وبين عامي 1998 و 2000 حلقت كاسيني على ارتفاع منخفض قريبا من الزهرة (مرتين) والأرض والمشتري. وخلال طيرانها على ارتفاع منخفض قريبا من المشتري في الشهر 12/2000، تفحصت كاسيني الكرة المغنطيسية الهائلة لهذا الكوكب من بقاعه الخارجية، وفي ذلك الوقت أجرت السفينة الفضائية گاليليو قياسات من أقرب نقطة مواتية من مدارها ـ وهذه أول مرة تجرى فيها مثل هذه الأرصاد في وقت واحد. أظهرت هذه الدراسات أن كرة المشتري المغنطيسية يعوزها الانسجام، إذ تبيّن أن ثمة مقادير كبيرة غير متوقعة من الأيونات والإلكترونات تفرّ من أحد جوانبها. قدمت كاسيني أيضا مجموعة رائعة من الصور للمشتري أظهرت الغلاف الجوي المضطرب بتفصيل استثنائي.

 

قدّمت هذه الرحلة الطويلة بين الكواكب فائدة أخرى: فقد توافر الوقت للوكالتين «ناسا» و «إيسا» لتعديل البعثة استجابة لمشكلة لم يجر توقعها. ما حدث هو أنه في عام 2000 اكتشف مخططو البعثات عيبا في التصميم عند اختبارهم نظام الاتصالات الذي سيسمح للسفينة المدارية كاسيني باستقبال بيانات علمية من المسبار هويگنز خلال هبوطه على سطح تيتان. (بعد ذلك، تُرحّل البيانات إلى الأرض). لم يكن المستقبل الراديوي على متن السفينة المدارية قادرا على تصحيح البيانات خلال اختبار كان يحاكي انزياح دوپلر(4) الذي قد يحدث خلال الهبوط وبعد دراسة هذه المشكلة طوال شهور، توصلت الوكالتان الفضائيتان إلى الحل التالي: تغيير المسار الوارد في المخطط بغية تخفيض السرعة النسبية بين السفينة المدارية والمسبار؛ وهذا يقلل انزياح دوپلر إلى حده الأدنى.

 

الطريق الطويل المتعرج(*****)

قطعت السفينة الفضائية كاسيني ـ هويگنز أكثر من ثلاثة بلايين كيلومتر من طريقها للوصول إلى منظومة زحل. ومنذ إطلاقها، عام 1997، خضعت السفينة لأربع عمليات دعم ثقالي، وذلك بأرجحتها على ارتفاع منخفض فوق الزهرة (مرتين) والأرض والمشتري، بغية تعزيز سرعتها (الشكل العلوي الأيسر). وفي1/7/2004، ستندفع كاسيني بسرعة عبر الفجوة الكائنة بين حلقتي زحل F و G، وتدير محركها بالاتجاه المعاكس لحركتها سعيا للقيام بأكبر اقتراب لها من الكوكب (الخط الأحمر في الشكل العلوي الأيمن). ستُخفّض هذه المناورة سرعة السفينة بقدر يكفي لوضعها في مدار إهليلجي (الشكل السفلي). إن عمليات تشغيل المحرك اللاحقة ستعدل المدار استعدادا للتقابل بين المسبار هويگنز وتيتان.

 

 

لقد حدثت أول مواجهة بين كاسيني ومنظومة زحل في 11/6/2004، عندما حلقت السفينة على ارتفاع منخفض فوق فويب Phoebe، وهو ساتل يندفع في مدار إهليليجي غير منتظم بعيدا عن الكوكب بنحو 13 مليون كيلومتر. ستمر كاسيني على مسافة 2000 كيلومتر من القمر الذي قطره 220 كيلومترا، وهذا أمر مثير لاهتمام العلماء، لأن القمر قد يكون بقايا مادة بدائية تكونت من القلوب الصخرية لكواكب خارجية قبل أكثر من 4.5 بليون سنة. بعد ثلاثة أسابيع من ذلك، ستقترب كاسيني من زحل من تحت مستوى الحلقات، مخترقة الفجوة الواسعة الكائنة بين الحلقتين F و G. ولإبطاء سرعة السفينة الفضائية بدرجة كافية للسماح لها بالدوران في مدار حول الكوكب، فإنها ستشغل محركها مدة 97 دقيقة بالاتجاه المعاكس لاتجاه سيرها. وخلال دوران المحرك ستقوم كاسيني بأكبر اقتراب لها من زحل، إذ إنها ستصبح على مسافة 000 18 كيلومتر من العملاق الغازي. وإذا سار كل شيء وفق الخطة المرسومة، فإن هذه المناورة ستضع كاسيني في مدار إهليلجي متطاول جدا سيُعدَّل فيما بعد بتشغيل المحرك مرات أخرى [انظر الشكل السفلي في الإطار في الصفحة 17].

 

الهبوط إلى تيتان(******)

بعد ذلك، ستحلق كاسيني على ارتفاع منخفض فوق تيتان مرتين لدراسة الغلاف الجوي لهذا القمر العملاق وسطحه، وللتأهب لإرسال بعثة المسبار هويگنز الذي سيهبط بفعل الجاذبية باتجاه تيتان طوال ثلاثة أسابيع. وفي 14/1/2005 سيدخل المسبار المزود ببطارية (مدخرة) الغلاف الجوي للقمر الذي يرتفع زهاء 1000 كيلومتر فوق سطحه، وهذا أعلى من الغلاف الجوي للأرض نحو عشر مرات [انظر الشكل الرئيسي في الإطار في الصفحة 20]. وثمة درع واقٍ من الحرارة له شكل صحن فنجان مهمته حماية السفينة من الحرارة العالية عند دخولها الغلاف الجوي للقمر. وعندما يصبح المسبار على ارتفاع نحو 170 كيلومترا من السطح، سينشر مظلات لإبطاء عملية الهبوط وجعلها أكثر استقرارا. وخلال اختراق هويگنز السحاب البرتقالي اللون، سيقوم راسم الغاز الكروماتي ومقياس الطيف الكتلي (GCMS) بتحليل تركيب الغلاف الجوي. وستقوم آلة أخرى بجمع وتبخير الجسيمات الصلبة كي يمكن تعرّفها أيضا بوساطة راسم الغاز GCMS. وفي نفس الوقت، سيقوم جهاز تصوير الهبوط ومقياس كثافة الطاقة الإشعاعية الطيفي (DISR) التابع للمسبار، بأخذ صور لسُحُب الميثان كي يتمكن الباحثون  من تعيين حجمها وشكلها.

 

منظومة زحل الغريبة الجميلة(*******)

ربما كانت بعثة كاسيني ـ هويكنز تستهدف أكثر المواقع روعة وسحرا في المنظومة الشمسية: إنه كوكب غازي عملاق تحيط به حلقات ضخمة، وحقل مغنطيسي قوي، وقمر هائل، وعشرات من التوابع الجليدية من حجم أصغر. وتسلّط الشروح الواردة في الأسفل الضوء على بعض الأشياء التي يأمل العلماء أن تساعدهم على معرفة المزيد عن هذه الأجسام.

زحل

القطر: 536 120 كيلومترا

المسافة التي تفصله عن الشمس: 1.4 بليون كيلومتر

أخذت كاسيني هذه الصورة لزحل في الشهر3/2004، عندما كانت هذه السفينة تبعد قرابة 56 مليون كيلومتر عن الكوكب. إن زحل، الذي كتلته تعادل نحو ثلث كتلة المشتري، مكون في المقام الأول من الهدروجين والهليوم ومقادير ضئيلة من الميثان والأمونيا. يُصدر زحل كميات كبيرة غير متوقعة من الحرارة. وتوحي التجارب المختبرية والنظريات بأن سبب فرط الحرارة هذا ربما يكون ناشئا عن الاحتكاك الناجم عن غوص قطرات الهليوم السائل في الهدروجين السائل، الذي هو أخف وزنا، باتجاه مركز الكوكب. ولو صحت هذه الفرضية، لوجب أن يكون الهليوم قد استنفد نسبيا من الغلاف الجوي لزحل. قاست ڤويجر 1 كميات الهليوم بطريقة غير مباشرة باستعمال مطيافها تحت الأحمر، لكن النتائج كانت غامضة. لذا سيقيس المطياف تحت الأحمر التابع للسفينة المدارية كاسيني كميات الهليوم بدقة أعلى، وستحصل كاسيني أيضا على تقدير أفضل لكمية الحرارة التي يطلقها زحل. وقد تمكننا هذه القياسات من الإجابة عن السؤال التالي: هل الهليوم والهدروجين الموجودان في الأعماق الكبيرة للكوكب ينفصلان حقا؟

 

الكرة المغنطيسية

تمتد إلى الأعلى مسافة 1.5 مليون كيلومتر باتجاه الشمس، ومسافة أكبر من ذلك من عشر مرات إلى 100 مرة بالاتجاه الذي تبتعد فيه عن الشمس.

تتسم كرة زحل المغنطيسية بتناظر أكبر من تناظر الكرة المغنطيسية للمشتري، وتولد قدرا أقل بكثير من الضجيج الراديوي. إلام يعود السبب في ذلك؟ ثمة سبب محتمل هو أن داخل زحل قد يكون أقل موصلية كهربائية مما هي الحال في المشتري. بيد أن الأيونات المحجوزة في الحقل المغنطيسي للكوكب مازالت قوية بدرجة تكفي لتعديل سطوح التوابع الجليدية، وتصغير حجم الغلاف الجوي لتيتان، وانتزاع جسيمات صغيرة من الحلقات، وإحداث عروض شفقية جميلة فوق قطبيْ زحل، كما هو مبين هنا في الصورة التي التقطها مقراب هبل الفضائي. ستعمق الدراسة التي نفذتها كاسيني لهذه الظواهر فهمنا لجميع الكرات المغنطيسية المعقدة في المنظومة الشمسية، ومن ضمنها الكرة المحيطة بالأرض.

 

الحلقات

أنصاف أقطار الحلقات: من 000 67 كيلومتر [الحافة الداخلية للحلقة D] إلى 000 483 كيلومتر [الحافة الخارجية للحلقة E]

ترى، ما سبب كون حلقات زحل، المبينة هنا في صورة التقطتها ڤويجر 2 عام 1981، أكثر درامية وأضخم بكثير من حلقات كواكب عملاقة أخرى في المنظومة الشمسية؟ إن فهما أفضل لبنية الحلقات وتطورها يسمح بالإجابة عن هذا السؤال. فهل الحلقات قديمة قدم زحل، أم أنها لاتدوم إلا مددا قصيرة؟ ستسبر آلات تصوير كاسيني ومطاييفه بنية الحلقات بدقة أعلى مما فعلته البعثات السابقة. أيضا، سيرسل هوائي كاسيني إشارات راديوية عبر الحلقات باتجاه الأرض ليوفر تفصيلات عن خاصيات جسيمات الحلقات. وسيبحث فريق البعثة عن مزيد من الأدلة على الرفع الكهرمغنطيسي لجسيمات الغبار الذي شاهدته أول مرة ڤويجر [الخطوط الداكنة التي تخترق الحلقات]. قد يساعد هذا البحث العلماء على فهم عمليات تكوين الكواكب في أقراص الحطام الكبيرة التي تحيط بالنجوم المولودة حديثا.

 

تيتان

القطر: 5150 كيلومترا

المسافة التي تفصله عن زحل: 1.2 مليون كيلومتر

هو تابع أكبر بقليل من كوكب عطارد، وغلافه الجوي أكثف من الغلاف الجوي للأرض. تيتان ـ المبين هنا في صورة التقطها مقراب كيك 11 KECK ـ هو عالَمٌ يضارع الأرض في الطقس والكيمياء المعقدة، باستثناء ناحية مهمة. فدرجة حرارته السطحية، التي تساوي نحو 179 ـ درجة سيلزية (مئوية)، تجعل من غير المحتمل إلى حد بعيد وجود حياة عليه. ولكن الحرارة الصادرة عن داخل القمر، أو عن صدمه بالمذنبات، ربما تكون قد حفزت، بين الحين والآخر، حدوث تفاعلات كيميائية عضوية على السطح في أحقاب معينة من تاريخه. وفي الحقيقة، فإن المذنبات الكبيرة التي تصدم تيتان تولد بركا من الماء السائل قطرها كيلومتر، وهذه ربما تظل موجودة ـ تحت قشرة رقيقة من الجليد ـ طوال مئات من السنين، أو أكثر، إذا امتزجت بالأمونيا المضادة للتجمد. ويمكن للمركبات العضوية المحجوزة في هذه البرك أن تتطور من هدروكربونات ونترات بسيطة إلى أحماض أمينية وپيورينات purines وسكّريات ومواد أخرى تدعم الحياة: هذا ولا يمكن التوصل إلى معرفة كيفية حدوث هذا على كرتنا الأرضية عن طريق تفحصها، لأن الأدلة المطلوبة دمّرتها الحياة نفسها منذ أمد بعيد لكن الشواهد على هذه التفاعلات العابرة قد تكون محفوظة على سطح القمر على شكل تغيرات في مظهر الترسبات العضوية، التي يمكن كشفها بوساطة آلات تصوير كاسيني ومطاييفها.

التوابع الجليدية

القطر: من 20 كيلومترا [قطر پان pan، أصغر قمر جرى قياسه] إلى 1528 كيلومترا [قطر ريا Rhea، الذي يشغل المرتبة الثانية في الكبر بعد تيتان]

المسافة التي تفصل هذه التوابع عن زحل: من 600 133 كيلومتر [بالنسبة إلى پان، أقرب قمر من زحل] إلى 23 مليون كيلومتر [بالنسبة إلى إمير Ymir، أبعد قمر عن زحل]

إذا استثنينا تيتان، فإن أقمار زحل جميعا أصغر من التوابع الگاليلية الأربعة لكوكب المشتري، وكثافتها لا تتبع النمط نفسه. [كثافة الأقمار الگاليلية الخارجية أقل من كثافة الأقمار الداخلية، وهذا يدل على محتوى أكبر من الجليد.] وإن أقمار زحل هي أيضا مختلفة جدا أحدها عن الآخر. فثمة شواهد على أن سطح القمر الشديد الملاسة إنسيلادوس Enceladus، الذي تظهر صورته ـ التي التقطتها ڤويجر 2 ـ الصورة في اليسار، خضع لتغييرات شديدة في الماضي القريب، وهذه ظاهرة ترتبط عادة بالتوابع الضخمة جدا. وبالمقابل، فللقمر ياپيتوس lapetus سطح ذو طبيعتين مختلفتين: فوجه القمر الذي يواجه اتجاهه في حركته المدارية أدكن بكثير من وجهه الآخر. ولتسليط الضوء على هذه الظواهر الغامضة، ستدرس كاسيني كثيرا من التوابع عندما تكون على مقربة منها وذلك بوساطة الرادار وآلات التصوير والمطاييف ومكاشيف الجسيمات التابعة للسفينة.

 

وعندما يصبح المسبار على ارتفاع 50 كيلومترا تقريبا من السطح، يبدأ المقياس DISR بأخذ صور پانورامية للمناظر الطبيعية تحته. وعندما لا يبقى بين المسبار والسطح سوى بضع مئات من الأمتار، سيقوم مصباح يصدر ضوءا أبيض بإنارة السطح ـ الذي يكون عادة ذا لون أحمر داكن بسبب امتصاص الجو للترددات الزرقاء من ضوء الشمس ـ وهذا يسمح للجهاز DISR بإجراء تحليل طيفي لتركيب سطح القمر. وخلال الهبوط ستراقَب الانزياحات في تردد الإشارة الراديوية للمسبار بغية استخلاص قوة رياح تيتان، ثم إن آلة هويگنز للبنية الجوية (HASI) ستقيس درجة الحرارة والضغط والحقول المغنطيسية التي قد تشير إلى وجود برق. وتتراوح مدة عملية الهبوط الكاملة بين ساعتين ونصف وثلاث ساعات.

 

مع أن الهدف الأولي للمسبار هويگنز هو دراسة الغلاف الجوي لتيتان، ومع أنه لم تُتخذ احتياطات لضمان سلامته عند هبوطه على السطح (لأن ضمان السلامة مكلف جدا)، فإن العلماء مهتمون جدا بطبيعة سطح القمر تيتان. فهل هو مغطى بالهدروكربونات السائلة؟ وهل يوفر أدلة على وجود نشاط جيولوجي، أو على نشوء وتطور كيميائي عضوي؟ أم أن تيتان هو مجرد تابع جليدي تغمره فوهات صدم؟ للمساعدة على الإجابة عن هذه الأسئلة، يحمل المسبار معه جهاز (SSP) يبث موجات صوتية في المرحلة النهائية من هبوطه لكشف وعورة سطح القمر. وستجري الآلة HASI قياسات مماثلة باستعمال إشارات راديوية.

 

عند الاصطدام بالسطح، الذي سيحدث بسرعة منخفضة نسبيا تعادل بضعة أمتار في الثانية، ستقوم مقاييس التسارع الموجودة على المسبار بنقل البيانات بسرعة عالية جدا عن طريق الجهاز SSP لتعيين طبيعة السطح: أهو صلب أم ثلجي أم سائل؟ وإذا لم يلحق بالمسبار أذى نتيجة هبوطه على سطح القمر، فمن الممكن استمرار نقل بيانات، طوال مدة تقع بين ثلاث دقائق وثلاثين دقيقة، إلى السفينة المدارية كاسيني قبل طيرانها فوق أفق القمر. وإذا حطّ هويگنز في محيطٍ أو بحيرةٍ هدروكربونية، فإن الجهاز SSP يستطيع قياس درجة حرارة السائل وكثافته وخاصياته الأخرى. وتتمكن المحسات sensors أن تعين أيضا سرعة الصوت عبر السائل، وربما عمقه أيضا. وفي تلك الأثناء سيأخذ الجهاز DISR صورا، وسيحاول راسم الغاز GCMS تحليل الهدروكربونات. هذا وإن المسبار هويگنز مصمم للطوفان على الهدروكربونات السائلة، وإن كانت هذه المواد الكيميائية أقل كثافة بكثير من الماء.

 

جولة تستغرق أربع سنوات(********)

بعد هبوط المسبار هويگنز، ستواصل السفينة المدارية كاسيني دراسة تيتان خلال جولتها في منظومة زحل، التي تستغرق أربع سنوات. وخلال تلك المدة، ستدور كاسيني حول زحل 76 مرة، وسيحدث في معظم هذه الدورات طيران على ارتفاع منخفض فوق سطح تيتان. وكل مقابلة ستغير أيضا هيئة مدار كاسيني، وهذا يمكّن السفينة من القيام بمشاهدات عن كثب يقوم بها لتوابع زحل الأخرى وحلقاته؛ وستقوم كاسيني أيضا بفحص أجزاء مختلفة من كرته المغنطيسية. وخلافا لگاليليو أو ڤويجر، لا يوجد لكاسيني منصات متحركة لتوجيه آلاته؛ ولتخفيض النفقات، جرى تثبيت الأجهزة بالهيكل الأسطواني للسفينة الفضائية. ونتيجة لذلك، تعيّن على علماء البعثة أن يخطّطوا بدقة لإجراء أرصادهم، ذلك أنه لا تستطيع جميع الآلات أن ترصد نفس الهدف في وقت واحد.

 

مبعوث إلى تيتان(*********)

في 25/12/2004، ستحرر السفينة المدارية كاسيني المسبار هويكنز الذي يزن 320 كيلوغراما. وفي 14/1/2005 سيدخل المسبار الغلاف الجوي لتيتان بسرعة تقارب 000 20 كيلومتر في الساعة. وعندما يصبح المسبار على مسافة 170 كيلومترا تقريبا من السطح، ستقوم المظلات بإبطاء سرعة هبوطه، وسيسقط منه الدرع الحراري، وهذا يسمح لأجهزته بتحليل الغلاف الجوي للقمر وسطحه. وسينقل المسبار البيانات إلى السفينة المدارية كاسيني، التي ستُرحّل بدورها الإشارات إلى الأرض.

ستقوم أيضا السفينة الفضائية كاسيني (انظر الشكل الصغير) بدراسة تيتان خلال سلسلة من طيراناتها على ارتفاع منخفض فوق هذا القمر. وتحتوي منصة الاستشعار الضوئي عن بعد Optical Remote Sensing آلتي تصوير وصفيفًا array من المطاييف. وتضم منصة الحقول والجسيمات Fields and Particles Pallet عدة آلات ستقوم بفحص كرة زحل المغنطيسية، وهي المنطقة التي يسودها الحقل المغنطيسي للكوكب. وستستكشف بعض الأجهزة الجسيمات المشحونة التي تدوِّم عبر الحقل؛ وستقيس أجهزة أخرى تيارات الغبار، وتحلل الجسيمات المنطلقة من التوابع الجليدية نتيجة صدمها بأيونات سريعة الحركة، وتفحص الغلاف الجوي العلوي لتيتان، وذلك خلال اندفاع كاسيني على مسافة 1000 كيلومتر من سطح هذا القمر. وثمة مقياس للمغنطيسية، مركّب على ذراع طولها 11 مترا مهمته كشف قوة وشكل الحقل المغنطيسي لزحل.

إن هوائي كاسيني للاتصالات، الذي قطره أربعة أمتار، سيقوم أيضا بمهمة رادار. هذا الهوائي، الذي له شكل طبق، قادر على إرسال نبضات من الطاقة الراديوية إلى الأجسام الصلبة، وتسلم الإشارات المنعكسة عنها، وهذا يوفر تفصيلات لشكل السطح ووعورته. وسيكون التصوير الراداري قادرا على اختراق الغلاف الجوي لتيتان ورسم خريطة هذا القمر. إضافة إلى ذلك سيقيس نظام الرادار طاقة الموجات الميكروية الصادرة عن تيتان، وهذا يكشف درجة حرارة سطحه وغلافه الجوي. وأخيرا، يمكن لهوائي الاتصالات سبر الغلافين الجويين لزحل وتيتان بوساطة إرسال إشارات راديوية عبرهما باتجاه كرتنا الأرضية.

 

إن الأبحاث العلمية التي يمكن إجراؤها في منظومة زحل أوسع من أن نلخصها في هذه المقالة [انظر الإطار في الصفحة 18]. لكن اهتماماتي الخاصة تتركز على تيتان. وإضافة إلى الموضوع المتعلق بصحة نشوء وتطور كيميائيات عضوية معقدة على سطح تيتان أو عدم صحة ذلك، فقد طرح الباحثون مجموعة كبيرة من الأسئلة عن هذا العالم. على الكرة الأرضية، يقوم الماء بتغيير شكل السطح ومبادلة الطاقة والكتلة بين السطح والغلاف الجوي؛ أما على تيتان، فالميثان يؤدي هذا الدور. لكن النضوب المستمر للميثان في الغلاف الجوي لتيتان، نتيجة التفاعلات الكيميائية الضوئية التي يُسببها إشعاع الشمس فوق البنفسجي، يجعل من الضروري إعادة تزويد الغلاف الجوي لتيتان بهذا المركب بطريقة ما من سطح القمر أو من داخله، أو ربما من صدمات المذنبات. ويبدو أن الوفرة الحالية للميثان على تيتان، التي قاسها ڤويجر، هي في نقطة حرجة ـ إذ إن ما هو موجود منها لا يزيد على ما يسمح بتكوّن سُحب الميثان والمطر. لكن تركيز الميثان لا يرقى إلى السماح بوجود ميثان سائل نقي على السطح؛ وقطرات مطر الميثان لابد أن تتبخّر قبل بلوغها أرض القمر. ولو وجدت بحور على تيتان، لكان من المحتمل جدا أن تكون مؤلفة من الإيثان ethane، وهو حصيلة التفاعلات الكيميائية الضوئية التي تحدث في الغلاف الجوي للقمر ـ متحدا بالميثان المنحل.

 

إن تعريف تيتان بأنه «عالم غامض» يلائم هذا

القمر أكثر من أي جرم آخر في المنظومة الشمسية.

إن فهم المصدر الذي يأتي منه الميثان ومعرفة الجهة التي تذهب إليها نواتج التفاعلات الكيميائية الضوئية التي يخضع لها، هما سؤالان من بين أهم الأسئلة الأساسية التي يمكن لبعثة كاسيني ـ هويگنز الإجابة عنها. فهل الميثان والإيثان ممزوجان معا في بحار أو بحيرات هدروكربونية موجودة على سطح تيتان؟ ثمة بيانات جديدة، زودنا بها مقراب أريسيبو Arecibo الراديوي في پورتوريكو، يبدو أنها تقدم جوابا إيجابيا عن هذا السؤال؛ لكن السفينة المدارية كاسيني والمسبار هويگنز هما وحدهما القادران على تثبيت صحة هذا الأمر. وإذا لم تجد السفينة الفضائية دليلا على وجود بحيرات أو بحار، فعندئذ ربما كان تيتان يفتقر إلى ما يكفي من الميثان والإيثان لتكوين هذه البحيرات طوال معظم تاريخه. وإن كان الأمر كذلك، فإن التركيب والحجم الحاليين لجو القمر ـ اللذين يديمهما تسخين الاحتباس الحراري greenhouse للميثان ـ قد يكونان حدثا مصادفة نتيجة صدمة مذنبية حديثة، أو نتيجة جيشان انطلق من داخل القمر، وأخيرا نقول، إن علماء الكواكب تواقون لمعرفة المكان الذي صدر عنه نتروجين وميثان تيتان؛ ومعرفة سبب كون تيتان القمرَ الوحيد في المنظومة الشمسية الذي يملك غلافا جويا كثيفا.

 

سيُطلب إلى جميع آلات السفينة الفضائية أن تعالج هذه الأسئلة. فآلات تصوير السفينة المدارية ومطاييفها ورادارها، القادرة على الرؤية عبر السحب الكثيفة المحيطة بتيتان، ستُجري عمليات بحث عن البحار الهدروكربونية خلال رسمها لخريطة سطح تيتان. وستفحص آلات أخرى تفاعل الغلاف الجوي لهذا القمر مع الجسيمات المشحونة الآتية من كرة زحل المغنطيسية. وستكشف الإشارات الراديوية المرسلة عبر الغلاف الجوي للقمر مقادير تغيرات درجة الحرارة بتغير خط العرض والارتفاع. إن جميع هذه النتائج، مع الصور التي التقطت من السفينة المدارية والمسبار هويگنز، قد تساعد على تعيين مدى ترسّب الميثان. سيوفر المسبار أيضا قراءات مباشرة لدرجة الحرارة والضغط، وأيضا صورا لسُحُب الميثان. إضافة إلى ذلك، فإن قياسات سمتيْن جويتين رئيسيتين ـ وفرة الميثان الحاوي على الدوتريوم، ونسبة النتروجين إلى الغازيْن النبيلين: الأرغون والكرپتون ـ قد تشير إلى المصادر المحتملة لميثان القمر ونتروجينه.

 

من المحتمل أن يعلن فريق البعثة فيضًا من الاكتشافات بعد أولى عمليات الطيران المنخفض لكاسيني فوق تيتان، وبعد هبوط المسبار هويگنز عليه، يلي ذلك تدفق مستمر لمكتشفات جديدة خلال مواصلة السفينة المدارية دراسةَ القمر العملاق. وكما يجري في أي بعثة تُطلَق إلى عالم غريب جديد ـ وتيتان ينطبق عليه تماما تعريف العالم الغامض أكثر من أي جرم آخر في المنظومة الشمسية ـ فلن يكون بمقدور عملية استكشاف وحيدة الإجابة عن كل سؤال. وقد تُبين عملية استكشاف تيتان أنها مثيرة للاهتمام بدرجة تجعل العلماء يقترحون إطلاق بعثات لمتابعة استطلاع هذا القمر عن طريق إرسال مناطيد عادية ومناطيد تدفع بمحركات وتجهيزات تحط على سطحه عبر غلافه الجوي الكثيف. إن الرحلة الاستكشافية الطويلة، التي استُهلت بالسفينة الفضائية كاسيني-هويگنز، لا يُحتمل أن تنتهي في أي وقت قريب.

 


 المؤلف

Jonathan I. Lunine

باحث في عدة فروع علمية ويسهم في بعثة كاسيني ـ هويگنز إلى منظومة زحل. وهو أستاذ العلوم الكوكبية والفيزياء ومدير برنامج الفيزياء الفلكية النظرية في جامعة أريزونا. تشمل اهتماماته البحثية نشوء وتطور الكواكب والمنظومات الكوكبية، وطبيعة العضويات في المنظومة الشمسية الخارجية، والعمليات التي تؤدي إلى تكون العوالم الصالحة للحياة عليها. حصل على الدكتوراه في العلوم الكوكبية من معهد كاليفورنيا للتقانة (CIT) عام 1985. وهو مؤلف كتاب: Earth Evolution of a Habitable World.

 


مراجع للاستزادة 

Passage to a Ringed World: The Cassini-Huygens Mission to Saturn and Titan. Edited 6y Linda J. Spilker. NASA, 1997.

Titan: The Earth-like Moon. Athena Coustenis and Fred Taylor. World Scientific Publishing, 1999.

Lifting Titan's Veil: Exploring the Giant Moon of Saturn. Ralph Lorenz and Jacqueline Mitton. Cambridge University Press, 2002.

Mission to Saturn: Cassini and the Huygens Probe. David M. Harland. Springer-Verlag and Praxis Publishing, 2002.

The Cassini-Huygens Mission: Overview, Objectives and Huygens Instrumentarium. Edited by Christopher T. Russell. Kluwer Academic Publishers, 2003.

Scientific American, June 2004

 


(*) SATURN AT LAST

(**) Birth of a Mission

 (***) An Amazing Journey

(****)Overview / Mission to Staurn

(*****) The Long and Winding Road

(******) The Beautiful and Mysterious Saturnian System

(*******) Descending to Titan

(********) A Four-Year Tour

(*********) Emissary to Titan

 

 


(1) سحابة مؤلفة من أكداس مدوّرة ذات قاعدة مسطحة. (التحرير)

(2) meteorolagical role أو الدور المتعلق بالأرصاد الجوية.

(3) swimging

(4)doppler frequency

 

HyperLink